ابن حمدون

237

التذكرة الحمدونية

العلوم كأنها [ 1 ] مضمنة [ 2 ] في تلك الغريزة بالفطرة ، ولكن تظهر إلى الوجود إذا جرى سبب يخرجها إلى الوجود حتى كأنّ هذه العلوم ليست شيئا واردا عليها من الخارج [ 3 ] ، وكأنها كانت مستكنّة فيها فظهرت . ومثاله الماء في الأرض ، فإنه يظهر بحفر القنيّ ويجتمع ويتميّز للحسّ لا بأن يساق إليها شيء جديد ، وكذلك الدهن في اللوز وماء الورد ، ولذلك قال تعالى : * ( ( وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) ) * ( الأعراف : 172 ) فالمراد به إقرار نفوسهم [ 4 ] لا إقرار الألسنة ، فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص ، ولذلك قال تعالى * ( ( ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله ) ) * ( الزخرف : 87 ) معناه إن اعتبرت أحوالهم شهدت بذلك نفوسهم وبواطنهم * ( ( فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) ) * ( الروم : 30 ) أي كلّ آدميّ فطر على الإيمان باللَّه بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه ، أعني أنها كالمضمّنة فيها لقرب استعدادها للإدراك . ثم لما كان الإيمان مركوزا في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى من أعرض فنسي ، وهم الكفّار ، وإلى من أجال خاطره فتذكَّر فكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكَّرها . لذلك قال تعالى : * ( ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) ) * ( البقرة : 221 ) [ 5 ] * ( ( ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبابِ ) ) * ( ص : 29 ) * ( ( واذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ومِيثاقَه الَّذِي واثَقَكُمْ بِه ) ) * ( المائدة : 7 ) * ( ( ولَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) ) * ( القمر : 17 ) ؛ وتسمية هذا النمط تذكرا ليس ببعيد ، وكأنّ التذكر ضربان أحدهما : أن تذكر صورة كانت حاضرة الوجود في القلب لكن غابت بعد الوجود ، والآخر أن يكون عن صورة كانت