ابن حمدون
238
التذكرة الحمدونية
مضمّنة فيه بالفطرة . وهذه حقائق ظاهرة للناظر بنور البصيرة ، ثقيلة على من ستر وجه السماع والتقليد دون الكشف والعيان ، ولذلك تراه يتخبّط في مثل هذه الآيات ويتعسّف في تأويل التذكَّر وإقرار النفوس أنواعا من التعسّفات ، ويتخايل إليه في الأخبار والآيات ضروب من المناقضات ، ومثاله مثال الأعمى الذي يدخل دارا فيعثر فيها بالأواني المصفوفة في الدار ، فيقول : ما لهذه الأواني لا ترفع من الطريق وتردّ إلى مواضعها ؟ فيقال له : إنها في مواضعها وإنما الخلل في بصرك . فكذلك خلل البصيرة يجري مجراه وأعظم ، إذ النفس كالفارس والبدن كالفرس ، وعمى الفارس أضرّ من عمى الفرس . ولمشابهة بصيرة الباطن لبصيرة الظاهر قال اللَّه تعالى * ( ( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) ) * ( النجم : 11 ) قال * ( ( وكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأَرْضِ ) ) * ( الأنعام : 75 ) وسمى ضده عمى فقال * ( ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) ) * ( الحج : 46 ) وقال تعالى : * ( ( ومَنْ كانَ فِي هذِه أَعْمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى وأَضَلُّ سَبِيلًا ) ) * ( الإسراء : 72 ) وهذه الأمور التي كشفت للأنبياء : بعضها كان بالبصر ، وبعضها بالبصيرة ، وسمّي الكلّ رؤية . قال أبو حامد : والحقّ الصريح أنّ التفاوت يتطرّق إلى الأقسام الأربعة ، سوى القسم الثاني ، وهو العلم الضروري بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات . فإنّ من عرف أنّ الاثنين أكثر من الواحد عرف أيضا استحالة كون الشخص في مكانين ، وكون الشيء الواحد قديما وحادثا ، وكلّ من يدركه يدركه محققا من غير شك . فأما الأقسام الثلاثة فالتفاوت يتطرّق إليها . أما القسم الرابع وهو استيلاء القوة على قمع الشهوات لا يخفى تفاوت الناس فيه ، بل لا يخفى تفاوت أحوال الشخص الواحد . وهذا التفاوت تارة يكون لتفاوت الشهوة إذ قد يقدر العاقل على ترك بعض الشهوات دون بعض ولكن غير مقصور عليه ، فإنّ الشابّ قد يعجز عن ترك الزنا وإذا كبر وتمّ عقله قدر عليه ؛ وشهوة الرياء والرياسة تزداد قوة بالكبر لا ضعفا ، وقد يكون سببه التفاوت في