ابن حمدون
236
التذكرة الحمدونية
والأول [ 1 ] هو المراد بقوله عليه السلام : ما خلق اللَّه خلقا أكرم عليه من العقل . والأخير هو المراد بقوله عليه السلام : إذا تقرّب الناس بأبواب البرّ فتقرب أنت بعقلك . وهو المراد بقول رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم لأبي الدرداء رضي اللَّه عنه : ازدد عقلا تزدد من ربك قربا فقال : بأبي أنت وأمي ، وكيف لي بذلك ؟ فقال : اجتنب محارم اللَّه ، وأدّ فرائض اللَّه تكن عاقلا ، واعمل بالصالحات من الأعمال تزدد في عاجل الدنيا رفعة وكرامة وتنل من ربّك القرب والعزّ . وعن سعيد بن المسيب أنّ عمر وأبيّ بن كعب وأبا هريرة دخلوا على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وعلى آله فقالوا : يا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وعلى آله من أعلم الناس ؟ فقال : العاقل ، فقالوا : فمن أفضل الناس ؟ قال : العاقل ، قالوا : أليس العاقل من تمّت مروءته ، وظهرت فصاحته ، وجادت كفّه ، وعظمت منزلته ؟ فقال عليه السلام : * ( ( وإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ، والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) ) * ( الزخرف : 35 ) إنّ العاقل هو المتقي وإن كان في الدنيا خسيسا دنيّا . وقال في حديث آخر : إنما العاقل من آمن باللَّه ، وصدّق رسله ، وعمل بطاعته . ويشبه أن يكون الاسم في أصل اللغة لتلك الغريزة وكذا في الاستعمال ، وإنما أطلق على العلوم من حيث أنها ثمرتها كما يعرف الشيء بثمرته ، فيقال : العلم هو الخشية ، والعالم من يخشى اللَّه ، فإنّ الخشية ثمرة العلم ، فيكون كالمجاز لغير تلك الغريزة . ولكن ليس الغرض البحث عن اللغة [ 2 ] . والمقصود أنّ هذه الأقسام الأربعة موجودة ، والاسم يطلق على جميعها ، ولا خلاف [ 3 ] في وجود جميعها إلَّا في القسم الأول ؛ والصحيح وجودها بل هي الأصل . وهذه