ابن حمدون
200
التذكرة الحمدونية
فليت هشاما كان حيا يسوسنا وكنّا كما كنّا نرجّي ونطمع « 618 » - كان أحمد بن طولون والي مصر متحلَّيا بالعدل مع تجبّره وسفكه الدماء ، وكان يجلس للمظالم ويحضر مجلسه القاضي بكار بن قتيبة وجماعة من الفقهاء مثل الربيع بن سليمان ومحمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم ومعمر بن محمد . وكان ابن طولون يمكَّن المتكلَّم من الكلام وكشف ظلامته جالسا مقرّبا . قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاويّ الفقيه : فاعترضت ضيعة لنا بالصعيد من ضياع جدّي سلامة ، فاحتجت إلى الدخول إليه والتظلَّم مما جرى ، وأنا يومئذ شابّ ، إلَّا أنّ العلم ومعرفة الحاضرين بسطني إلى الكلام والتمكَّن من الحجة ، فخاطبته في أمر الضيعة ، فاحتجّ عليّ بحجج كثيرة وأجبته عنها بما لزمه الرجوع إليه . ثم ناظرني مناظرة الخصوم بغير انتهار ولا سطوة عليّ ، وأنا أجيبه وأحلّ حججه ، إلى أن وقف ولم يبق له حجة ، فأمسك عنّي ساعة ثم قال لي : إلى هذا الموضع انتهى كلامي وكلامك ، والحجة فقد ظهرت لك ، ولكن أجّلنا ثلاثة أيام ، فإن ظهرت لنا حجة ألزمناك إياها ، وإلَّا سلَّمنا إليك الضيعة ، فقمت منصرفا . وقال ابن طولون بعد خروجي للحاضرين : ما أقبح ما أشهدتكم به على نفسي أقول لرجل من رعيّتي قد ظهرت له حجة : أنظرني إلى أن أطلب حجة وأبطل الحكم الذي أوجبته حجّته . من يمنعني إذا وجبت لي حجة أن أحضره وألزمه إياها ؟ هذا والغصب واحد . أنتم رسلي إليه بأني قد التزمت حجّته ، وأزلت الاعتراض عن الضيعة . وتقدّم بالكتاب له ، وعرف الطحاوي الحال منهم فصار إلى الديوان وأخذ الكتاب بإزالة الاعتراض عن الضيّعة . « 619 » - وروي أنّ بعض قوّاده كان يتولَّى كورة من كور مصر ، فدخل
--> « 618 » العقد الفريد للملك السعيد : 58 - 59 ونقله محقق سيرة ابن طولون ( هامش ص : 216 - 217 ) وانظر المستطرف 1 : 101 ففيه بداية النص حتى قوله « للمظالم » . « 619 » ما ها هنا صورة موجزة عن قصة أوردها البلوي ص : 209 - 211 مع بعض تغيير .