ابن حمدون
360
التذكرة الحمدونية
عليه اسم الجود أنه كان مؤثرا على نفسه ، متقللا في خاصته ، وحاصله في السنة خمسون ألف دينار ، كما قيل ، ولا يزال يأخذ بالدين يتمم به صلاته ، وتصدّق بداره التي يسكنها ، فكان يؤدي أجرتها في كلّ شهر على السبيل الذي [ 1 ] جعلها فيه . ومن عجيب أمره أنه خدم زنكي بن آق سنقر في مبدأ أمره مشرفا على الإصطبل ، وكان ذاك موصوفا بالشحّ ، فتقرب إليه بما يطابق هواه ، حتى بما يسقط [ 2 ] من النعال ، وتوسّل عنده بالتبخل [ 3 ] تكلفا تتطلع السجايا الكريمة من خلاله ، ويشهد بما ستبديه الأيام من شرف جلاله ، حتى صار مشرف ديوانه ، فكان أقرب أصحابه إليه [ 4 ] ، فلما قتل زنكي وقام ولده بالأمر ووزر له وملك أمره ، وأمن ما كان يخافه من أبيه ، أظهر مكنون سجيته ، وباح بما كان يضمره وأبان عن جود برمكيّ . ومن المستفيض عنه أنه لم يتضجر قطَّ على سائل ، ولم يبرم بملحّ ، ولا منع أحدا ، ولا أصغى بسمعه إلى عاذل في الجود ولا مشير . 933 - وشاهدت اثنين أحدهما من أوساط الناس والآخر من فقرائهم : أما الأوّل فكان يجوع ويطعم ، ويعرى ويكسو ، ويتكسب بالتصرف فيلبس القميص المرقوع ويركب الدابّة الضعيف ، لا زوجة له ولا ولد ولا عبد ، ويصرف ما يحصله في معونة الناس وإرفادهم وإطعامهم ، وأما الثاني فرجل ضعيف يجتدي الناس في الأسواق ويسألهم ، ويجمع ذلك فينفقه [ 5 ] على المحبوسين : يطعمهم ويسقيهم ويداوي مرضاهم ، ويضع الأجاجين على الطرق