ابن حمدون

290

التذكرة الحمدونية

ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى أصيبيتنا جوعا ، عبد اللَّه وعدي وسفانة ، فقام حاتم إلى الصبيين ، وقمت إلى الصبيّة ، فو اللَّه ما سكتوا إلَّا بعد هدأة من الليل ، وأقبل يعللني ، فعرفت ما يريد فتناومت ، فلما تهوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال : من هذا ؟ فولى ثم عاد آخر الليل ، فقال : من هذا ؟ قال : جارتك فلانة ، أتيتك [ 1 ] من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب ، فما وجدت معوّلا إلا عليك أبا عدي ، فقال : أعجليهم فقد أشبعك اللَّه وإياهم ، فأقبلت المرأة تحمل اثنين ، ويمشي جانبيها أربعة ، كأنها نعامة حولها رئالها ، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخرّ ، ثم كشط عن جلده ، ودفع المدية إلى المرأة ، فقال : شأنك فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل ، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا فيقول : هبّوا ، عليكم بالنار ، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا ، لا واللَّه إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا ، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم أو حافر . « 758 » - مرض سعيد بن العاص بالشام ، فعاده معاوية ومعه شرحبيل ابن السمط ومسلم بن عقبة المريّ ويزيد بن شجرة الرهاوي ، فلما نظر سعيد إلى معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاما له ، فقال له معاوية : أقسمت عليك أبا عثمان فإنك ضعفت للعلة ، فسقط ، فبادر معاوية نحوه حتى حنا عليه ، وأخذ بيده فأقعده معه على فراشه وجعل يسائله عن علته ومنامه وغذائه ، ويصف له ما ينبغي أن يتوقاه ، وأطال القعود عنده . فلما خرج التفت إلى شرحبيل ويزيد ابن شجرة فقال : هل رأيتما خللا في حال أبي عثمان ؟ فقالا : لا ما رأينا شيئا ننكره ، فقال لمسلم : ما تقول أنت ؟ قال : رأيت خللا ، قال : وما ذاك ؟ قال : رأيت على حشمه ومواليه ثيابا وسخة ، ورأيت صحن داره غير

--> « 758 » العقد 1 : 297 .