السيد جعفر مرتضى العاملي
228
تفسير سورة هل أتى
وهل هناك سقوط وخذلان وإسفاف أعظم من هذا ؟ ! . . ولأجل ذلك جاء التعبير باسم الإشارة الذي قد يفيد التحقير في مثل هذه الموارد . . « وَيَذَرُونَ » : ويزيد وضوح هذا الأمر من خلال التعبير بكلمتي « يَذَرُونَ » و « وَرَاءهُمْ » . . دون كلمة « يتركون » ، لأن كلمة ترك إنما يؤتى بها في مورد يكون للشيء خصوصية وأهمية ، ثم يصرف النظر عنه ، لسبب اقتضى ذلك ، فيقال : ترك . وأما إذا لم يكن للشيء أية أهمية أو دور - بنظر هؤلاء - فالتعبير الأنسب عنه هو أن يقال : يذره . ولأجل ذلك قال تعالى : * ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ) * ( 1 ) . أي لا تشغل بالك بهم ، ولا تهتم لهم ، لأنهم لا يستحقون الاهتمام . ولذلك قال هنا : يذرون من ورائهم ، أي يتركونه غير مكترثين به ولا مهتمين له ، بل إنهم لم يكونوا قد التفتوا إليه ، أو حصلوا عليه . . رغم أنه ثقيل ، ومهم جداً ، وهذا غاية في تصوير إسفاف هؤلاء الناس ، وسقوط آرائهم ، وخزيهم ، بسبب إيثارهم شهواتهم على كل شيء . . « وَرَاءهُمْ » : ثم تأتي كلمة « وَرَاءهُمْ » لتظهر المزيد من قباحة فعلهم هذا وشناعته ، ولولا أنه سبحانه قد أراد الإلماح إلى هذا السقوط لكان بالإمكان أن يقول : ويذرون يوماً ثقيلاً . . وانتهى الأمر . .
--> ( 1 ) سورة المدثر الآية 11 .