السيد جعفر مرتضى العاملي
20
تفسير سورة هل أتى
إليه ، الآية الكريمة : * ( وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) * ( 1 ) أن الملاذ والمنقذ هو الحب الإنساني ، لا الحب الغريزي والشهواني ، الذي ليس هو في الحقيقة إلا تعبيراً آخر عن الأنا الطاغي ، والمتمرد ، الذي يريد أن يستأثر باللذة ، وأن يسعد بها ، بأية قيمة وبأي ثمن . والحب الإنساني والإيماني : لا يرضى بديلاً عن أن يصبح كل من الزوجين جزءاً من شخصية الطرف الآخر ، ومتمماً لكيانه ، ووجوده : * ( مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) * . ولكن : الله سبحانه لا يريد أن يوجد هذا الحب بصورة إعجازية ، وبجبرية قاهرة . . وإنما يريد لهما أن يقوما معاً بتهيئة أسباب وجوده ، وموجبات نشوئه . وأن ينتجاه بصورة طبيعية ، وأن يتنامى في داخل ذاتهما ليصبح جزءاً من التكوين الحقيقي لشخصيتهما الإنسانية . وقد اعتمد من أجل تحقيق ذلك عنصر التضحية المتبادلة ، والتي تكون عن إرادة واختيار ، ومن منطلق المعرفة ، والوعي ، والإدراك لحقيقة حاجاتهما الحياتية ، في مختلف المجالات . . فحين يشعر كل من الزوجين بضعف الطرف الآخر ، وبحاجته للمساعدة والرعاية ، فستتحرك مشاعر الرحمة فيه ، وسيدعوه ذلك لمد يد العون له . حتى إذا تكرر هذا العون والتعاهد له مرة بعد أخرى ، فإن ذلك سيجعله يتعلق به ، لأن جزءاً من جهده ، ومن عرقه ، قد تجسد فيه ، وسيزداد هذا التعلق على مر الأيام تبعاً لتكرر ذلك بسبب اقتضاء الطبيعة الإنسانية له . . ولعل هذا يفسر لنا سرَّ شدة تعلق الأم بطفلها ، فإن سببه هو مدى ما
--> ( 1 ) سورة الروم الآية 21 .