محمد عزة دروزة
535
التفسير الحديث
ويحسن أن ننبه على مدى تعبير * ( لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّه لَكَ ) * من حيث كونه ليس في معنى المناقضة في تحريم ما أحل اللَّه تعالى في المفهوم الشرعي الذي يقابله معنى إحلال ما حرّم اللَّه . وإنما هو في معنى حرمان النفس ومنعها مما أحلَّه اللَّه . وهذا غير غريب عن المألوفات البشرية في امتناع الناس أو حلفهم على الامتناع عن شيء هو في أصله حلال ومباح لهم دون أن يعني أنه قصد نقيض حلَّه . وتحلَّة الأيمان إنما وردت في آيات سورة المائدة هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّه لَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ‹ 87 › وكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه حَلالًا طَيِّباً واتَّقُوا اللَّه الَّذِي أَنْتُمْ بِه مُؤْمِنُونَ ‹ 88 › لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ولكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الأَيْمانَ فَكَفَّارَتُه إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّه لَكُمْ آياتِه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‹ 89 › . ويفيد هذا أن الآيات التي نحن في صددها قد نزلت بعد هذه الآيات مع أن سورة المائدة متأخرة في الترتيب عن سورة التحريم . ولقد احتوت سورة المائدة فصولا متعددة منها ما يدل على أنها نزلت قبل فصول نزلت في سور متقدمة عليها في الترتيب على ما سوف نشرحه بعد . ومنها هذا الفصل على ما يبدو . وقد يفيد أسلوب الآيتين الأولى والثانية أن اللَّه عز وجلّ لا يحب أن يحرم الإنسان على نفسه ما أباحه وأحله له . وأن الواجب إذا صدر من امرئ يمين بذلك أن يكفر عنه ويتمتع بما أباحه اللَّه وأحله له . وهذا صريح أكثر في آيات المائدة . ولقد أثر عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أحاديث وردت في الكتب الخمسة مؤيدة لذلك . وأحاديث في تعريف اليمين اللغو وأخرى في اليمين الغموس التي تحلف كذبا على أمر جرى خلافا للمدعى به ، وأخرى في صدد اليمين بغير اللَّه وأخرى في صدد الاستثناء في اليمين أوردناها في سياق تفسير الآية [ 224 ] من سورة البقرة فنكتفي بهذا التنبيه هنا يرجع إليها . هذا ، وجبريل يذكر هنا للمرة الثانية . وقد ذكر لأول مرة في آيات سورة البقرة [ 97 - 98 ] وعلقنا عليه بما فيه الكفاية . والأسلوب والمقام الذي جاء ذكره