محمد عزة دروزة

395

التفسير الحديث

الناس . وعلى كل حال فالذي يتبادر لنا أن الآيات الثلاث فصل تشريعي يتمم بعضه بعضا . ونلمح صلة ما بين هذه الآيات وبين موضوع السلسلة السابقة عند إنعام النظر . فالدخول إلى بيوت الناس بدون إذن مما يفسح المجال للقيل والقال وإشاعة أخبار السوء ، وهذا مما حذرت منه الآيات السابقة . ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد تلك السلسلة فوضعت في ترتيبها للتناسب الموضوعي والظرفي ، أما إذا لم تكن نزلت بعدها مباشرة فيكون ترتيبها للتناسب الموضوعي الملموح . ويظهر من فحوى الآيات وروحها أن الناس كانوا يدخلون بيوت بعضهم بدون استعلام واستئذان . وهذا مستفاد أيضا من آية سورة الأحزاب [ 53 ] التي جاء فيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناه . . . ومن الأحاديث والروايات العديدة التي أوردها المفسرون . منها ما أورده الطبري وأوردناه قبل عن عدي بن ثابت كسبب لنزول الآية الأولى ، ومنها حديث أورده الخازن جاء فيه « قال كند بن حنبل دخلت على النبيّ ولم أسلَّم ولم أستأذن ، فقال لي : ارجع فقل : السلام عليكم أأدخل ؟ » . فاحتوت الآيات كما هو ظاهر تأديبا رفيعا في هذا الشأن توخى فيه تنظيم السلوك الشخصي بين المسلمين تنظيما يجنبهم دواعي الريبة وأخبار السوء وما يكون فيه للغير من أذى وتثقيل . والخطاب في الآية عام للمسلمين . وليس فيه قرينة تخصص أنه خطاب للرجال دون النساء . وحكمه يتناولهم في كل ظرف ومكان بطبيعة الحال . والروعة فيما احتوته أنه آداب من طبيعتها الخلود والاتساق مع الخلق الفاضل والذوق السليم في كل وقت ومكان . والمتبادر أن الاستئناس والاستئذان والسلام هو بسبيل تنبيه أهل البيت حتى يتهيأوا لقبول الزائر إذا لم يكن عندهم مانع ويأذنوا له . وأن فحوى الآيات وروحها