محمد عزة دروزة

164

التفسير الحديث

والتسليم بأحكامه وبسبيل التنويه بمن يفعل ذلك والتنديد الشديد بالذين لم يفعلوا ذلك ووقفوا ويقفون مثل ذلك الموقف المكروه . وهذا لا يمنع أن يكون للروايات أصل ما وأن تكون كل من الآيتين قد تليت في المناسبة المروية على سبيل الاستشهاد والتطبيق . واللَّه أعلم . هذا ، والتنويه بالذين يطيعون اللَّه ورسوله في الآية الأخيرة بليغ المدى حيث يتضمن بشرى بأنهم سيكونون مع تلك الطبقة المصطفاة من عباد اللَّه . وهذا أمر مفهوم لأن طاعة اللَّه ورسوله تعني التزام كل أمر وكل رسم وكل حدّ وكل حثّ وكل نهي . وحينما يكون المرء على هذا القدر من الاستغراق يكون أهلا لتلك المرتبة . ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية حديثا نبويا فيه تقرير لهذا المعنى رواه الإمام أحمد عن عمرو بن مرة قال « جاء رجل إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال يا رسول اللَّه شهدت أن لا إله إلَّا اللَّه وأنك رسول اللَّه . وصليت الخمس . وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان ، فقال رسول اللَّه من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعقّ والديه » . ولقد وقف المفسرون عند كلمة * ( والشُّهَداءِ ) * في الآية وأوردوا بعض الأحاديث التي فيها طوائف عديدة تحسب في عداد الشهداء منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال « الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل اللَّه » ( 1 ) . ومع ذلك فالمتبادر لنا أن الكلمة تعني الشهيد في سبيل اللَّه في الدرجة الأولى . ويجيء بعد هذه الآيات فصل في الجهاد وحضّ على القتال في سبيل اللَّه حيث يمكن أن يكون مناسبة أو تأييد ما لهذا الترجيح . واللَّه أعلم . ولقد وقفوا عند كلمة * ( والصِّدِّيقِينَ ) * وروى الطبري معنيين لها أحدهما أنها تعني اتباع الأنبياء الذين صدقوهم واتبعوا منهاجهم بعدهم حتى لحقوا بهم .

--> ( 1 ) التاج ج 4 ص 296 والمطعون الذي يموت في الطاعون والمبطون الذي يموت بوباء البطن والهدم الذي يموت بانهدام سقف عليه على ما جاء في شرح الشراح .