محمد عزة دروزة
20
التفسير الحديث
من ورائه وقال يا نبيّ اللَّه كفاك مناشدتك ربّك فإنه سينجز لك ما وعدك . فأنزل اللَّه * ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) * ‹ 9 › « ( 1 ) . ومما روي أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم خفق خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال : « أبشر يا أبا بكر أتاك نصر اللَّه . هذا جبريل أخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع » . وتروي الروايات عن بعض شهود المعركة أنهم كانوا يشعرون بأن الملائكة يقاتلون معهم . وأن بعضهم سمع هتافهم وبعضهم رآهم عيانا معتمّين بعمامات بيضاء وخضراء وصفراء راكبين على خيل بلق . وبعض هذه الروايات رواها مسلم عن ابن عباس قال : « بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتدّ في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقف ورأى فارسا يقول أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك فإذا هو قد خطَّم أنفه وشقّ وجهه كأنما كان ذلك بضربة سوط ، فجاء الرجل وحدّث رسول اللَّه فقال : صدقت ذلك مدد السماء » ( 2 ) . وأمر الملائكة من المسائل المغيبة الواجب الإيمان بكل ما يخبره القرآن عنهم . وقد أخبر القرآن بأن اللَّه أيّد المسلمين في هذه الوقعة بالملائكة فوجب الإيمان بذلك والوقوف عنده وإذا كان شيء يمكن أن يقال في صدد ما جاء في الآيات أن الآيات لا تفيد أن المسلمين رأوا الملائكة وإنما تتضمن إخبارا بعد الوقعة بأن اللَّه أيدهم بالملائكة ثم تذكرهم بما كان من استغاثتهم وما كان من استجابة اللَّه لهم مما قد يلهم أنهم تمنوا على اللَّه أن يؤيدهم ويمدهم بالملائكة . فلما اشتدّت المعركة وقطع المسلمون صلتهم بالدنيا واستغرقوا في الجهاد في سبيل اللَّه ولم يكن في أذهانهم إلَّا اللَّه ورسوله ودينه شملتهم العناية الربانية وأيقنوا أن اللَّه قد استجاب لهم وأمدهم وأيدهم بملائكته وشعروا بحقيقة ما أخبرهم اللَّه به في الآيات بعد الوقعة .
--> ( 1 ) التاج ، ج 4 ص 365 - 366 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 367 .