محمد عزة دروزة
21
التفسير الحديث
ويلفت النظر بخاصة إلى الأسلوب الاستدراكي الذي تضمنته الآية [ 10 ] . فهذه الروحانية التي شملتهم وجعلتهم يشعرون ما أخبر اللَّه به بعد المعركة بأن الملائكة يقاتلون معهم إنما كانت للتطمين والبشرى . وإلَّا فالنصر هو من اللَّه عزّ وجل . والمتبادر أن هذا الاستدراك قد استهدف نزع ما قد يمكن أن يعلق في ذهن أحد من المسلمين من عقيدة تأثير الملائكة . وهي العقيدة التي كانت سائدة عند العرب قبل الإسلام . وكان العرب بقوتها يعبدون الملائكة تقربا بهم إلى اللَّه ، وفي هذا ما فيه من التلقين التوحيدي البليغ المستمر المدى . وفي صدد ما جاء في الآيات من غشيان النعاس للمسلمين والمطر الذي أنزله اللَّه عليهم من السماء نقول : إن المسلمين كانوا على ما يبدو على شيء من التهيّب والتعب وكانوا في حاجة إلى الماء حتى يشربوا ويغتسلوا وتثبت الأرض تحت أقدامهم وكان في كل هذا مجال لوسوسة الشيطان وتخويفه وإثارته القلق في نفوسهم فكان من عناية اللَّه بهم وتأييده أن سلَّط عليهم النعاس فجعلهم يستغرقون في نوم أزال عنهم تعبهم وأنساهم قلقهم وأنزل عليهم المطر ليشربوا ويغتسلوا ويتزودوا بالماء ولتجمد الأرض تحت أقدامهم ، ثم كانت تلك الروحانية التي شملتهم وأنزلت على قلوبهم الطمأنينة والسكينة وأشعرتهم بتأييد اللَّه لهم بملائكته أيضا . وكل هذا تأييد رباني لرسول اللَّه والصادقين من أصحابه تدخل في نطاق المعجزات ويمكن أن تكرر في كل موقف جهادي إيماني يقفه المؤمنون الصادقون من أعداء اللَّه وأعدائهم . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبارَ ‹ 15 › وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَه إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه وَمَأْواه جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‹ 16 › فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّه قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّه رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْه بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‹ 17 › ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّه مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ‹ 18 › إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّه مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ‹ 19 › .