محمد عزة دروزة

57

التفسير الحديث

إلى الحبشة بسبب ما كان من ضغط الكفار وأذاهم . ومع ذلك فإن روح الآيات حتى في حالة صحة احتمال مكيتها ، تلهم أنها تضمنت ترشيح المؤمنين لقتال الكفار المعتدين ، وتضمنت أن المرشحين لذلك في الخطوات الأولى حين ما تسنح الفرصة هم بخاصة المهاجرون ، واللَّه أعلم . وروايات السيرة ( 1 ) تذكر أن سرايا الجهاد الأولى التي سيّرها النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعد أن استقرّ في المدينة والتي سبقت وقعة بدر ، تتألف من المهاجرين . وقد يدلّ هذا على أن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأصحابه المهاجرين قد فهموا أيضا من الآيات أنهم هم المرشحون لقتال مشركي مكة لأنهم هم الذين كان يقع عليهم أذاهم وظلمهم وهم الذين أذن اللَّه أنهم ظلموا ووعد بنصرهم . وفي سورة البقرة آية تؤيد تلك الروايات وهي هذه : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّه واللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ‹ 218 › وقد نزلت في سياق حادث اشتباك حربي بين سرية من المسلمين كانت بقيادة عبد اللَّه بن جحش والمشركين في حدود مكة في بطن نخلة في يوم اشتبه بأنه من أيام رجب أحد الشهور المحرمة ( 2 ) ، فأخذ المشركون يشغبون على النبي والمؤمنين ويتهمونهم بخرق حرمة الشهر الحرام فأنزل اللَّه هذه الآية ، وأنزل قبلها آية تبرر ما وقع لأن المشركين آذوا المسلمين وفتنوهم في المسجد الحرام والشهر الحرام حينما كانوا في مكة وهي : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيه قُلْ قِتالٌ فِيه كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّه وكُفْرٌ بِه والْمَسْجِدِ الْحَرامِ وإِخْراجُ أَهْلِه مِنْه أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّه والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا ومَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِه فَيَمُتْ وهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : 217 ] . وننبّه على أن هذا الشرح ليس من شأنه أن يذهب باحتمال مكية الآيات

--> ( 1 ) انظر طبقات ابن سعد ج 3 ص 43 - 49 . ( 2 ) المصدر نفسه .