محمد عزة دروزة

58

التفسير الحديث

حيث يكون المسلمون قد استندوا إليها فيما أخذوا يقومون به من حركات انتقامية من مشركي مكة بعد أن هاجروا إلى المدينة . ولقد توقف الطبري وغيره عند جمع المساجد مع معابد اليهود والنصارى ، فقال الطبري إن جملة * ( يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّه كَثِيراً ) * عائدة إلى المساجد التي هي الأقرب ذكرا . وقال ابن كثير : قال بعض العلماء إن في الجملة ترقّ من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد وهي أكثر إعمارا وأكثر عبادا وهم ذوو القصد الصحيح . وقال البغوي إن معنى الجملة * ( لَوْ لا دَفْعُ اللَّه النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) * لهدم في حقبة كل نبي مكان عبادة أتباعه ، فهدمت في زمن موسى صلوات اليهود وفي زمن عيسى بيع النصارى وصوامعهم ، وفي زمن محمد مساجد المسلمين . وقال الزمخشري قولا متفقا مع البغوي بأسلوب أقوى فقال : إن المعنى لولا تسليط المؤمنين على الكافرين بالمجاهدة لاستولى الكافرون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم وعلى معابدهم ، فهدموها ولم يتركوا معابد لليهود ولا للنصارى ولا للمسلمين . وفي كل من هذه الأقوال وجاهة ما ، مع القول إن كلام الزمخشري أكثر قوّة ووجاهة . ومهما يكن من أمر فالمتبادر أن العبارة أسلوبية بقصد بيان ما يمكن أن يترتب من عدوان الكفار على المؤمنين ومعابدهم ، لولا حكمة اللَّه التي اقتضت أن يلهم المؤمنين ويقويهم على دفع عدوان الكفار وإيقافهم عند حدّهم في كلّ وقت ومكان . واللَّه تعالى أعلم . التلقينات البليغة المنطوية في هذه الآيات ولقد انطوى في الآيات تلقينات وقواعد ونتائج اجتماعية عامة ، رائعة بليغة مستمرة المدى كما انطوى فيها بيان ما سوف يكون عليه المجتمع الإنساني في ظلّ الإسلام من صورة فاضلة حيث انطوى فيها : 1 - تقرير حقّ المظلوم وحقّ المعتدى على حريته وحقوقه وكرامته بالانتصار والدفاع ، حتى يزول عنه الظلم وتضمن حقوقه وحريته وكرامته .