محمد عزة دروزة

106

التفسير الحديث

« 2 » أمشاج : وهي جمع مشج أو مشيج بمعنى أخلاط . وقيل القصد من ذلك تكوّن الإنسان من اختلاط ماءي الرجل والمرأة . وإن كلّ لونين اختلطا فهما أمشاج . وقيل إنها إشارة إلى ما يتقلَّب فيه نشوء الإنسان من أطوار وهو جنين . « 3 » نبتليه : نختبره ، ومن الممكن أن تحمل على التعليل فيكون معناها لكي نختبره . ومن الممكن أن تحمل على التقرير فيكون معناها سوف نختبره . الآيات تضمنت معنى التقرير والتذكير والعظة والتنبيه . فقد مرّ دهر طويل لم يكن الإنسان فيه موجودا ولا شيئا مذكورا . ثم خلقه اللَّه من نطفة مختلطة متطورة . وجعله سميعا وبصيرا ، ثم أودع فيه قابلية التمييز واختيار السبيل الذي يسير فيه ليختبره في سيره واختياره ليظهر إما أن يكون شاكرا للَّه في إيمانه وعمله الصالح أو جاحدا شريرا . وأسلوب الآيات تقريري ينطوي على عرض عام . وفيها توكيد لما قرره القرآن في مواضع كثيرة من قابلية الإنسان للتمييز واختيار الطريق الذي يسير فيه ومسؤوليته عن هذا الاختيار . ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيتين الأخيرتين حديثا عن جابر بن عبد اللَّه قال : « قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا » . وحديثا رواه الإمام مسلم عن أبي مالك الأشعري قال : « قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كلّ الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها » . حيث ينطوي في الحديثين توضيح نبوي داعم للتوكيد الذي ينطوي في الآيات وغيرها من قابلية الإنسان للتمييز والاختيار ومسؤوليته عن ذلك . إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأَغْلالًا وسَعِيراً ‹ 4 › إِنَّ الأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ‹ 5 › عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّه يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ‹ 6 › . « 1 » مزاجها : المادة التي يمزج بها الشراب .