أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )
318
أنساب الأشراف
لأنفسكم بما أرضى به لنفسي ؟ قلنا : يا أمير المؤمنين إن المدينة أرض العيش بها شديد ، ولا نرى طعامك يغشى ولا يؤكل ، وإنّا بأرض ذات ريف ، وان أميرنا يغشى ويؤكل طعامه ، فنكث على الأرض ساعة ، ثم رفع رأسه فقال لأبي موسى : نعم فإني قد فرضت لك كل يوم من بيت المال شاتين وجريبين ، فإذا كان الغداة فضع إحدى الشاتين على أحد الجريبين فكل أنت وأصحابك ، ثم ادع بشرابك فاشرب ، ثم اسق الذي عن يمينك ، ثم الذي يليه ، ثم الذي يليه ، ثم قم لحاجتك ، فإذا كان العشيّ فضع الشاة الغابرة على الجريب الغابر فكل أنت وأصحابك ، وادع بشرابك ألا واشبعوا الناس في بيوتهم وأطعموا عيالهم ، ومع ذلك والله ما أظن رستاقا يؤخذ منه كل يوم شاتان ، وجريبان إلا أسرع ذلك في خرابه . حدثنا يحيى بن أيوب الزاهد ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن حميد بن هلال أن حفص بن أبي العاص الثقفي كان يحضر طعام عمر فلا يأكل ، فقال له عمر : ما يمنعك من طعامنا ؟ فقال : إن طعامك جشب [ 1 ] غليظ ، وإني أرجع إلى طعام ليّن قد صنع لي فأصيب منه ، فقال عمر رضي الله عنه : أتراني أعجز عن أن آمر بشاة يلقى عنها شعرها ، وآمر بدقيق ينخل في خرقة ثم آمر به فيخبز خبزا رقاقا وآمر بصاع من زيت فيقذف في سعن [ 2 ] ، ثم يصب عليه الماء فيصبح كأنه دم غزال ؟ فقال : إني لأراك عالما بطيب الطعام ورخيّ العيش ، فقال : أجل والذي نفسي بيده لولا أن تنتقص حساتي لشاركتكم في لين عيشكم .
--> [ 1 ] جشب : غليظ خشن . اللسان . [ 2 ] السعن : شيء يتخذ من أدم شبه دلو ، إلا أنه مستطيل مستدير . اللسان .