الثعالبي

54

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وقوله سبحانه و : * ( لقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى ) * قيل : هو وحي إلهام ، وقيل ، بملك ، وقيل : برؤيا رأتها ، وكان من قصة موسى عليه السلام فيما روي أن فرعون ذكر له أن خراب ملكه يكون على يد غلام من بني إسرائيل ; فأمر بقتل كل / مولود يولد لبني إسرائيل ، ثم إنه رأى مع أهل مملكته : أن فناء بني إسرائيل يعود على القبط بالضرر ; إذ هم كانوا عملة الأرض ، والصناع ، ونحو هذا ; فعزم على أن يقتل الولدان سنة ، ويستحييهم سنة ، فولد هارون عليه السلام في سنة الاستحياء ، ثم ولد موسى عليه السلام في العام الرابع سنة القتل ، فخافت عليه أمه ; فأوحى الله إليها : * ( أن اقذفيه في التابوت ) * فأخذت تابوتا فقذفت فيه موسى راقدا في فراش ، ثم قذفته في يم النيل ، وكان فرعون جالسا في موضع يشرف منه على النيل إذ رأى التابوت فأمر به ، فسيق إليه ، وامرأته معه ، ففتح فرأوه فرحمته امرأته ; وطلبته لتتخذه ابنا ، فأباح لها ذلك ، ثم أنها عرضته للرضاع ، فلم يقبل امرأة فجعلت تنادي عليه في المدينة ، ويطاف به يعرض للمراضع ، فكلما عرضت عليه امرأة أباها ، وكانت أمه قالت لأخته : * ( قصيه فبصرت به ) * وفهمت أمره ، فقالت لهم : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ، وهم له ناصحون ، فتعلقوا بها ، وقالوا : أنت تعرفين هذا الصبي ، فأنكرت ، وقالت : لا ، غير أن أعلم من أهل هذا البيت الحرص على التقرب إلى المملكة ، والجد في خدمتها ، ورضاها ، فتركوها وسألوها الدلالة ، فجاءت بأم موسى ، فلما قربته ، شرب ثديها ، فسرت بذلك آسية امرأة فرعون ( رضي الله عنها ) وقالت لها : كوني معي في القصر ، فقالت لها : ما كنت لأدع بيتي وولدي ، ولكنه يكون عندي ، فقالت : نعم ، فأحسنت إلى أهل ذلك البيت غاية الإحسان ،