الثعالبي

55

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

واعتز بنو إسرائيل بهذا الرضاع ، والسبب من المملكة وأقام موسى عليه السلام حتى كمل رضاعه ، فأرسلت إليها آسية : أن جيئيني بولدي ليوم كذا ، وأمرت خدمها ، ومن معها أن يلقينه بالتحف ، والهدايا ، واللباس ; فوصل إليها على ذلك ، وهو بخير حال وأجمل شباب ، فسرت به ، ودخلت به على فرعون ؟ ليراه ويهب له فرآه وأعجبه ، وقربه فأخذ موسى عليه السلام بلحية فرعون ، وجبذها ، فاستشاط فرعون ، وقال : هذا عدو لي ، وأمر بذبحه ، فناشدته فيه امرأته ، وقالت : إنه لا يعقل ، فقال فرعون : بل يعقل ، فاتفقا على تجريبه وكان بالجمرة والياقوت ; حسب ما تقدم ، فنجاه الله من فرعون ورجع إلى أمه ، فشب عندها ، فاعتز به بنو إسرائيل إلى أن ترعرع ، وكان فتى جلدا فاضلا كاملا ، فاعتزت به بنوا إسرائيل بظاهر ذلك الرضاع ، وكان يحميهم ، ويكون ضلعه معهم ، وهو يعلم من نفسه أنه منهم ، ومن صميمهم ، فكانت بصيرته في حمايتهم أكيدة ، وكان يعرف ذلك أعيان بني إسرائيل ، ثم وقعت له قصة القبطي المتقاتل ولم مع الإسرائيلي على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وعدد الله سبحانه على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القصة : من لطفه سبحانه به في كل فصل ، وتخليصه من قصة إلى أخرى ، وهذه الفتون التي فتنه بها ، أي : اختبره بها ، وخلصه حتى صلح للنبوءة ، بين وسلم لها . وقوله * ( ما يوحى ) * / إبهام يتضمن عظم الأمر وجلالته وهذا كقوله تعالى : * ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ) * [ النجم : 16 ] * ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) * [ النجم : 10 ] . وهو كثير في القرآن ، والكلام الفصيح . وقوله : * ( فليلقه اليم بالساحل ) * خبر خرج في صيغة الأمر [ مبالغة ; ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " قوموا فلأصل لكم " فأخرج الخبر في صيغة الأمر لنفسه ، مبالغة ، وهذا كثير ، والمراد بالعدو في الآية ، فرعون ثم أخبر تعالى موسى عليه السلام أنه ألقى عليه محبة منه .