الثعالبي

188

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وقوله تعالى : * ( الله نور السماوات والأرض . . . ) * الآية : النور في كلام العرب الأضواء المدركة بالبصر ، ويستعمل مجازا فيما صح من المعاني ولاح ; فيقال : كلام له نور ، ومنه الكتاب المنير ، والله تعالى ليس كمثله شئ فواضح أنه ليس من الأضواء المدركة ، ولم يبق إلا أن المعنى منور السماوات والأرض ، أي : به وبقدرته أنارت أضواؤها ، واستقامت أمورها ، كما تقول : الملك نور الأمة ، أي : به قوام أمورها وصلاح جملتها ، والأمر في الملك مجاز ، وهو في صفة الله تعالى حقيقة محضة ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وغيره : " الله نور " - بفتح النون والواو المشددة وفتح الراء - والضمير في * ( نوره ) * يعود على الله تعالى ; قاله جماعة ، وهو إضافة خلق إلى خالق كما تقول : ناقة الله ، وبيت الله ، ثم اختلفوا في المراد بهذا النور ، فقيل : هو محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هو المؤمن ، وقيل : هو الإيمان والقرآن ، وفي قراءة أبي بن كعب : " مثل نور المؤمنين " والمشكاة : هي الكوة غير النافذة فيها القنديل ونحوه ، وهذه الأقوال الثلاثة يطرد فيها مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل ، فعلى قول من قال : الممثل محمد صلى الله عليه وسلم - وهو قول كعب الأحبار - فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو المشكاة أو صدره ، والمصباح هو النبوءة وما يتصل بها من علمه وهداه ، والزجاجة : قلبه ، والشجرة المباركة : هي الوحي ، والزيت : هو الحجج والبراهين . وعلى قول من قال : إن الممثل به هو المؤمن - وهو قول أبي بن كعب - ، فالمشكاة صدره ، والمصباح : الإيمان والعلم ، والزجاجة : قلبه ، والشجرة القرآن ، وزيتها : هو الحجج ، والحكمة التي تضمنها قول أبي فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي في قبور الأموات ، وتحتمل الآية معنى آخر ، وهو أن يريد مثل نور الله الذي هو هداه في الوضوح كهذه الجملة من النور ، الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة ; التي هي أبلغ صفات النور ، الذي هو بين أيديكم أيها البشر ; وقال أبو موسى : المشكاة : الحديدة أو الرصاصة التي يكون فيها القنديل في جوف الزجاجة ، والأول أصح .