الثعالبي
320
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
من هذا الهم ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع . انتهى . واختلف في البرهان الذي رآه يوسف ، فقيل : ناداه جبريل : يا يوسف ، تكون في ديوان الأنبياء ، وتفعل فعل السفهاء ، وقيل : رأى يعقوب عاضا على إبهامه ، وقيل غير هذا ، وقيل : بل كان البرهان فكرته في عذاب الله ووعيده على المعصية ، والبرهان في كلام العرب : الشئ الذي يعطي القطع واليقين ، كان مما يعلم ضرورة أو بخبر قطعي أو بقياس نظري " وأن " في قوله : ( لولا أن رأى ) في موضع رفع ، تقديره : لولا رؤيته برهان ربه ، لفعل ، وذهب قوم إلى أن الكلام تم في قوله : ( ولقد همت به ) ، وأن جواب " لولا " في قوله : ( وهم بها ) ، وأن المعنى : لولا أن رأى البرهان لهم ، أي : فلم يهم عليه السلام ، وهذا قول يرده لسان العرب ، وأقوال السلف * ت * : وقد ساق عياض هذا القول مساق الاحتجاج به متصلا بما نقلناه عنه آنفا ، ولفظه : فكيف ، وقد حكى أبو حاتم عن أبي عبيدة ، أن يوسف لم يهم ، وأن الكلام فيه تقديم وتأخير ، أي : ولقد همت به ، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، وقد قال الله تعالى عن المرأة ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) ، [ يوسف : 23 ] وقال تعالى : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) ، وقال : ( معاذ الله . . . ) الآية . انتهى . وكذا نقله الداوودي ولفظه : وقد قال سعيد بن الحداد : في الكلام تقديم وتأخير ، ومعناه : أنه لولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، فلما رأى البرهان لم يهم ، انتهى . قال ابن العربي في " أحكامه " : وقد أخبر الله سبحانه عن حال يوسف من حين بلوغه بأنه آتاه حكما وعلما ، والحكم : هو العمل بالعلم ، وكلام الله صادق ، وخبره صحيح ، ووصفه حق ، فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزنا ، وتحريم خيانة السيد في أهله ، فما تعرض لامرأة العزيز ، ولا أناب إلى المراودة ، بل أدبر عنها ، وفر منها ، حكمة خص بها ، وعمل بما علمه الله تعالى ، وهذا يطمس وجوه الجهلة من الناس والغفلة من العلماء في نسبتهم إلى الصديق ما لا يليق ، وأقل ما اقتحموا من ذلك هتك السراويل ، والهم بالفتك فيما رأوه من تأويل ، وحاشاه من ذلك ، فما لهؤلاء المفسرين لا يكادون يفقهون حديثا ، يقولون : فعل فعل ، والله تعالى إنما قال هم بها ، قال علماء الصوفية : إن فائدة قوله تعالى : ( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما . . . ) [ يوسف : 22 ] أن الله عز وجل أعطاه العلم والحكمة ، بأن غلب الشهوة ، ليكون ذلك سببا للعصمة ، انتهى . والكاف من قوله تعالى : ( كذلك لنصرف عنه السوء ) : متعلقة بمضمر ، تقديره : جرت أفعالنا وأقدارنا كذلك ، لنصرف ، ويصح أن تكون الكاف في موضع رفع بتقدير