الثعالبي

272

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

قوله عز وجل : ( الر كتاب أحكمت آياته ) أي : أتقنت وأجيدت ، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزل ، ثم فصل بتقطيعه ، وتبيين أحكامه وأوامره على محمد نبيه عليه السلام في أزمنة مختلفة ، ف‍ " ثم " على بابها ، / فالإحكام صفة ذاتية ، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له ، والكتاب بأجمعه محكم ومفصل ، والإحكام الذي هو ضد النسخ ، والتفصيل الذي هو خلاف الإجمال ، إنما يقالان مع ما ذكرناه باشتراك . قال * ص * : ( ثم فصلت ) : " ثم " لترتيب الأخبار ، لا لترتيب الوقوع في الزمان ، و ( لدن ) بمعنى : " عند " . انتهى . قال الداوودي : وعن الحسن : ( أحكمت آياته ) : قال : أحكمت بالأمر والنهي ، ثم فصلت بالوعد والوعيد ، وعنه : فصلت بالثواب والعقاب . انتهى . وقدم ال‍ ( نذير ) ، لأن التحذير من النار هو الأهم . ( وأن استغفروا ربكم ) ، أي : اطلبوا مغفرته ، وذلك بطلب دخولكم في الإسلام ، ( ثم توبوا ) من الكفر ( يمتعكم متاعا حسنا ) ، ووصف المتاع بالحسن ، لطيب عيش المؤمن برجائه في ثواب ربه ، وفرحه بالتقرب إليه بأداء مفترضاته ، والسرور بمواعيده سبحانه ، والكافر ليس في شئ من هذا ، ( ويؤت كل ذي فضل ) ، أي : كل ذي إحسان ( فضله ) ، فيحتمل أن يعود الضمير من " فضله " على " ذي فضل " أي : ثواب فضله ، ويحتمل أن يعود على الله عز وجل ، أي : يؤتي الله فضله كل ذي فضل وعمل صالح من المؤمنين ، ونحو هذا المعنى ما وعد به سبحانه من تضعيف الحسنات ، ( وإن تولوا فإني أخاف عليكم ) ، أي : فقل : إني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ، وهو يوم القيامة . وقوله سبحانه : ( ألا أنهم يثنون صدورهم . . . ) الآية : قيل : إن هذه الآية نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم النبي صلى الله عليه وسلم تطامنوا وثنوا صدورهم ، كالمتستر ، وردوا إليه ظهورهم ، وغشوا وجوههم بثيابهم ، تباعدا منهم ، وكراهية للقائه ، وهم يظنون أن ذلك يخفى عليه ، أو عن الله عز وجل ، وقيل : هي استعارة للغل والحقد الذي كانوا ينطوون