الثعالبي

215

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وقوله : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) اختلف في الضمير أيضا ، هل يعود على مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو على مسجد " قباء " ؟ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا معشر الأنصار ، إني رأيت الله أثنى عليكم بالطهور ، فماذا تفعلون ؟ " قالوا : يا رسول الله ، إنا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء يريدون الاستنجاء ، ففعلنا نحن ذلك ، فلما جاء الإسلام ، لم ندعه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فلا تدعوه إذن " . والبنيان الذي أسس على شفا جرف : هو مسجد الضرار ، بإجماع ، و " الشفا " : الحاشية والشفير ، و ( هار ) : معناه متهدم بال ، وهو من : هار يهور ، البخاري : هار هائر تهورت البئر ، إذا تهدمت وانهارت مثله . انتهى . وتأسيس البناء على تقوى ، إنما هو بحسن النية فيه وقصد وجه الله تعالى ، وإظهار شرعه ، كما صنع في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي مسجد " قباء " ، والتأسيس على شفا جرف هار إنما هو بفساد النية وقصد الرياء ، والتفريق بين المؤمنين ، فهذه تشبيهات صحيحة بارعة . وقوله سبحانه : ( فانهار به في نار جهنم ) : الظاهر منه أنه خارج مخرج المثل ، وقيل : بل ذلك حقيقة ، وأن ذلك المسجد بعينه أنهار في نار جهنم ، قاله قتادة وابن جريج ، وروي عن جابر بن عبد الله وغيره ، أنه قال : رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروي في بعض الكتب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه حين أنهار بلغ الأرض السابعة ، ففزع لذلك صلى الله عليه وسلم ، وروي أنهم لم يصلوا فيه أكثر من ثلاثة / أيام ، وهذا كله بإسناد لين ، والله أعلم ، وأسند الطبري عن خلف بن ياسين ، أنه قال : رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله في القرآن ، فرأيت فيه مكانا يخرج منه الدخان وذلك في زمن أبي جعفر المنصور ، وروي شبيه بهذا أو نحوه عن ابن جريج : أسنده الطبري .