الثعالبي

187

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

قال الفخر : أما كون كثيرة الأموال والأولاد سببا للعذاب في الدنيا ، فحاصل من وجوه : منها : أن كلما كان حب الإنسان للشيء أشد وأقوى ، كان حزنه وتألم قلبه على فراقه أعظم وأصعب ، ثم عند الموت يعظم حزنه ، وتشتد حسرته ، لمفارقته المحبوب ، فالمشغوف بحب المال والولد لا يزال في تعب ، فيحتاج في اكتساب الأموال وتحصيلها إلى تعب شديد ومشقة عظيمة ، ثم عند حصولها يحتاج إلى متاعب أشد وأصعب في حفظها وصونها ، لأن حفظ المال بعد حصوله أصعب من اكتسابه ، ثم إنه لا ينتفع ، إلا بالقليل من تلك الأموال ، فالتعب كثير ، والنفع قليل ، ثم قال : واعلم أن الدنيا حلوة خضرة ، والحواس الخمس مائلة إليها ، فإذا كثرت وتوالت استغرقت فيها ، وانصرف الإنسان بكليته إليها ، فيصير ذلك سببا لحرمانه من ذكر الله ، ثم إنه يحصل في قلبه نوع قسوة وقوه وقهر ، وكلما كان المال والجاه أكثر ، كانت تلك القسوة أقوى ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : ( إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ) [ العلق : 6 ، 7 ] فظهر أن كثرة الأموال والأولاد سبب قوي في زوال حب الله تعالى وحب الآخرة من القلب ، وفي حصول الدنيا وشهواتها في القلب ، وعند الموت : كأن الإنسان ينتقل من البستان إلى السجن ، ومن مجالسة الأقرباء والأحبة إلى موضع الغربة والكربة ، فيعظم تألمه ، ويقوى حزنه ، ثم عند الحشر : حلالها حساب ، وحرامها عقاب ، فثبت أن كثرة الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا والآخرة . انتهى . ثم أخبر سبحانه ، أنهم ليسوا من المؤمنين ، / وإنما هم يفزعون منهم ، والفرق : الخوف . وقوله سبحانه : ( لو يجدون ملجأ ) : الملجأ من لجأ يلجأ ، إذا أوى واعتصم ، وقرأ الجمهور : " أو مغارات " - بفتح الميم - ، وهي الغيران في أعراض الجبال ، ( أو مدخلا ) ، معناه : السرب والنفق في الأرض ، وهو تفسير ابن عباس في هذه الألفاظ ، وقرأ جمهور الناس : " يجمحون " : ومعناه يسرعون .