الثعالبي

151

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

فتفكرت في حالي ، وكيف أتلقى الغل ، إن طرح في عنقي يوم القيامة ، فما زلت في ذلك حتى أصبح . قال * ع * : وهذه نهاية الخوف ، وخير الأمور أوساطها ، وليس علماء الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج ، وقراءة علم كتاب الله ومعاني سنة رسوله لمن يفهم ويرجى نفعه أفضل من هذا ، لكن يحسن ألا تخلوا البلاد من مثل هذا . قال * ع * : وحدثني أبي ( رحمه الله ) ، عن بعض علماء المشرق ، قال : كنت بائتا في مسجد الإقدام ب‍ " مصر " فصليت العتمة ، فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له ، حتى أصبح ، وصلينا نحن تلك الليلة ، وسهرنا ، فلما أقيمت صلاة الصبح ، قام ذلك الرجل ، فاستقبل القبلة ، وصلى مع الناس ، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء ، فلما فرغت الصلاة ، خرج ، فتبعته لأعظه ، فلما دنوت منه ، سمعته ، وهو ينشد : [ المنسرح ] منسجن ثنا الجسم غائب حاضر * منتبه القلب صامت ذاكر منبسط في الغيوب منقبض * كذاك من كان عارفا ناكر يبيت في ليلة أخا فكر * فهو مدى الليل نائم ساهر قال : فعلمت أنه ممن يعبد الله بالفكرة ، فانصرفت عنه . قال الفخر : ودلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين التفكر . انتهى . وفي " العتبية " : قال مالك : قيل لأم الدرداء : ما كان أكثر شأن أبي الدرداء ؟ قالت : كان أكثر شأنه التفكر . قال مالك : وهو من الأعمال ، وهو اليقين ، قال الله عز وجل : ( يتفكرون في خلق السماوات والأرض ) ، قال ابن رشد : والتفكر من الأعمال ، كما قاله مالك ( رحمه الله ) ، وهو من أشرف الأعمال ، لأنه من أعمال القلوب التي هي أشرف الجوارح ، ألا ترى أنه لا يثاب أحد على عمل من أعمال الجوارح من سائر الطاعات ، إلا مع مشاركة القلوب لها بإخلاص النية لله ( عز وجل ) في فعلها . انتهى من " البيان والتحصيل " .