الثعالبي
236
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
إليه ، أن اضرب بعصاك البحر ، وأوحى الله إلى البحر ، أن انفرق لموسى إذا ضربك ، فبات البحر تلك الليلة يضطرب ، فحين أصبح ، ضرب موسى البحر ، وكناه أبا خالد ، فانفلق ، وكان ذلك في يوم عاشوراء . ( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ( 50 ) وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ( 51 ) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ( 52 ) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ( 53 ) وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ( 54 ) ) وقوله تعالى : ( وإذ فرقنا بكم البحر . . . ) الآية : ( فرقنا ) : معناه : جعلناه فرقا ، ومعنى ( بكم ) أي : بسببكم ، والبحر هو بحر القلزم ( 1 ) ولم يفرق البحر عرضا من ضفة إلى ضفة ، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة ، وكان ذلك الفرق يقرب موضع النجاة ، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوغار حائلة ، وقيل : انفرق البحر عرضا على اثني عشر طريقا ، طريق لكل سبط ، فلما دخلوها ، قالت كل طائفة : غرق أصحابنا ، وجزعوا ، فقال موسى - عليه السلام - : اللهم ، أعني على أخلاقهم السيئة ، فأوحى الله إليه أن أدر عصاك على البحر ، فأدارها ، فصار في الماء فتوح كالطاق ( 2 ) ، يرى بعضهم بعضا ، وجازوا وجبريل في ساقتهم على ماذيانة ( 3 ) يحث بني إسرائيل ، ويقول لآل فرعون : مهلا حتى يلحق آخركم إلى أولكم ، فلما وصل فرعون إلى البحر ، أراد الدخول ، فنفر فرسه ، فتعرض له جبريل بالرمكة ( 4 ) ، فاتبعها الفرس ، ودخل آل فرعون ، وميكائيل يحثهم ، فلما لم يبق إلا ميكائيل في ساقتهم على الضفة وحده ، انطبق البحر عليهم ، فغرقوا .
--> ( 1 ) بحر القلزم : شعبة من بحر الهند ، أوله من بلاد البربر والسودان والحبش من جهة الجنوب ، ومن جهة الشمال " عدن " وبلاد العرب حتى يقطع آخره عند " القلزم " ، وهي مدينة صغيرة على أرض مصر . ينظر : " مراصد الاطلاع " ( 1 / 166 ) . ( 2 ) هو ما عطف وجعل كالقوس من الأبنية . ينظر : " لسان العرب " ( 2725 ) ، و " المعجم الوسيط " ( 577 ) . ( 3 ) قيل : إن الماذيان هو النهر الكبير ، وهذه الكلمة ليست بعربية ، قال ابن الأثير : وهي سوادية . ينظر : " النهاية " ( 4 / 313 ) ، و " اللسان " ( 4164 ) ( حزن ) . ( 4 ) الرمكة : الفرس والبرذونة التي تتخذ للنسل ، معرب ، والجمع رمك . ينظر : " لسان العرب " ( 1733 ) .