الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
6
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والفطري أو التهديد والترغيب ، لذا فإن كلمة " صرفنا " تناسب هذا التنوع في هذا المقام . القرآن الكريم يريد أن يقول : إننا سلكنا مختلف الطرق ، وفتحنا مختلف الأبواب من أجل أن ننير قلوب هؤلاء العميان بضياء التوحيد ، ولكن مجموعة من هؤلاء وصل بهم التعصب والعناد واللجاجة إلى درجة أن كل هذه الوسائل لم تؤثر في جذبهم إلى الحقيقة ، بل إنها زادت في ابتعادهم ونفورهم . وهنا قد يطرح هذا السؤال : إذا ما الفائدة من ذكر كل ذلك ، إذا كانت النتائج . معكوسة ؟ إن جواب هذا السؤال واضح ، إذ أن القرآن لم ينزل لفرد أو لمجموعة خاصة ، ولكنه للمجتمع كافة ، وطبيعي أن جميع الناس ليسوا على منوال المعاندين ، إذ هناك الكثير ممن يتبع طريق الحق إذا استبانت له أدلته من هذا النوع من الأدلة القرآنية ، بالرغم من أنها تؤدي بمجموعة أخرى من فاقدي بصيرة القلب إلى المزيد من العناد . إضافة إلى أن وجود هؤلاء المعاندين مفيد للمجموعة الأخرى التي تقبل الحق وتنصاع إليه ، إذ يستبين من ينصاع للحق طريقة من خلال النظر إلى سلوك المعاندين إذ أن تقابل الظلمة والنور يوضح قيمة النور أكثر ( الأشياء تعرف بأضدادها ) كما أن تعلم الأخلاق والآداب يمكن أن يتم - أحيانا - بتوسط عديمي الأدب والخلق . وهذا في الواقع درس مفيد في القضايا التربوية والتبليغية ، إذ يمكن أن نستفيد من هذه الآية ضرورة سلوك طرق مختلفة ووسائل متعددة لتحقيق الأهداف التربوية المنشودة ، حيث أن الاقتصار على طريق واحد يخالف التنوع الكبير في أذواق الناس ومؤهلاتهم ، وبالتالي يجافي الطريق الصحيح الذي ينبغي أن يتبع .