الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

503

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يشاؤون ، ويقلبونهم كيف يشتهون ! ومن البديهي - كما قلنا ذلك مرارا - أن تسلط الشياطين على بني آدم ليس تسلطا إجباريا ، بل إن الإنسان الذي يسمح للشياطين بالنفوذ إلى قلبه وروحه ، هو الذي يطوق رقبته بقيد العبودية لهم ، ويقبل بطاعتهم ، كما يقول القرآن في الآية ( 100 ) من سورة النحل : إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون . ثم يوجه القرآن المجيد الخطاب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيقول : فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا وسنسجل كل شئ لذلك اليوم الذي تشكل فيه محكمة العدل الإلهي . وهناك احتمال آخر في تفسير الآية ، وهو أن المراد من عد أيام عمر - بل أنفاس - هؤلاء ، أن مدة بقائهم قصيرة وداخلة تحت إمكان الحساب والعد ، لأن حساب الشئ وعده كناية عادة عن قلته وقصره . ونقرأ في رواية عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في تفسير إنما نعد لهم عدا أنه سأل أحد أصحابه ، قال : " ما هو عندك ؟ " قال : عدد الأيام ، قال : " إن الآباء والأمهات يحصون ذلك ، ولكنه عدد الأنفاس " ( 1 ) . إن تعبير الإمام هذا يمكن أن يكون إشارة إلى التفسير الأول ، أو إلى التفسير الثاني ، أو إلى كلا التفسيرين . وعلى كل حال ، فإن دقة محتوى هذه الآية يهز الإنسان ، لأنها تثبيت أن كل شئ - حتى أنفاسنا - خاضعة للحساب والعد ، ويجب أن نجيب يوما على كل هذه الأشياء والأعمال . ثم تبين المسير النهائي للمتقين والمجرمين في عبارات موجزة ، فتقول : إن كل هذه الأعمال جمعناها وادخرناها له : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا .

--> 1 - نور الثقلين ، الجزء 3 ، ص 357 .