الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

504

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

" الوفد " - على وزن وعد - في الأصل بمعنى الجماعة الذين يذهبون إلى الكبار لحل مشاكلهم ، ويكونون مورد احترام وتقدير ، وعلى هذا فإن الكلمة تتضمن معنى الاحترام والتكريم ، وربما كان ما نقرؤه في بعض الروايات من أن المتقين يركبون مراكب سريعة السير ، ويدخلون الجنة باحترام بالغ ، لهذا السبب . يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " سأل علي ( عليه السلام ) رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن تفسير قوله عز وجل : يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا فقال : يا علي ، الوفد لا يكون إلا ركبانا ، أولئك رجال اتقوا الله عز وجل ، فأحبهم واختصهم ورضي أعمالهم فسماهم المتقين " ( 1 ) . الملفت للنظر أننا نقرأ في الآية : أن المتقين يحشرون إلى الرحمن ، في حين أن الكلام في الآية التالية عن سوق المجرمين إلى جهنم ، وعلى هذا ألم يكن من المناسب أن يقال : ( الجنة ) هنا بدل ( الرحمن ) ؟ إلا أن هذا التعبير - في الحقيقة - يشير إلى نكتة مهمة ، وهي أن المتقين يحصلون هناك على ما هو أسمى من الجنة ، فهم يقتربون من الله وتجلياته الخالصة ، ويدركون رضاه الذي هو أسمى وأغلى من الجنة . وتعبيرات الحديث الذي قرأناه من قبل عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تشير إلى هذا المعنى أيضا . ثم تقول في المقابل : ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا كما تساق الإبل العطشى إلى محل الماء ، إلا أنه لا ماء هناك ، بل نار جهنم . ينبغي الالتفات إلى أن كلمة ( ورد ) تعني مجموعة من البشر أو الحيوانات التي ترد المياه ، ولما كان هؤلاء الجماعة عطاشى حتما ، فإن المفسرين فسروا هذا التعبير هنا بأنهم يردونها عطاشى . كم هو الفرق بين أولئك الذين يذهبون بهم إلى الرحمن بكل عزة واحترام ، تهب الملائكة لاستقبالهم ، ويحيوهم بالسلام ، وبين أولئك الذين يساقون

--> 1 - نور الثقلين ، الجزء 3 ، ص 359 .