الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

439

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وكذلك جعلني مطيعا ووفيا لأمي وبرا بوالدتي ( 1 ) ولم يجعلني جبارا شقيا . كلمة " جبار " تطلق على الشخص الذي يعتقد بأن له كل الحق على الناس ولا يعتقد بأن لأحد عليه حقا . وكذلك يطلقونها على الذي يضرب الناس ويقتلهم إذا غضب ، ولا يتبع ما يأمر به العقل ، أو أنه يريد أن يسد نقصه ويغطيه بادعاء العظمة والتكبر ، وهذه كلها صفات بارزة للطواغيت المستكبرين في كل زمان ( 2 ) . و " الشقي " تقال للشخص الذي يهئ أسباب البلاء والعقاب لنفسه ، وبعضهم فسر ذلك بالذي لا يقبل النصيحة ، ومن المعلوم أن هذين المعنيين لا ينفصلان عن بضعهما . ونقرأ في رواية ، أن عيسى ( عليه السلام ) يقول " قلبي رقيق وأنا صغير في نفسي " ( 3 ) وهو إشارة إلى أن هذين الوصفين يقعان في مقابل الجبار والشقي . وفي النهاية يقول هذا المولود - أي المسيح - والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا وكما قلنا في شرح الآيات المتعلقة بيحيى ( عليه السلام ) ، فإن هذه الأيام الثلاثة في حياة الإنسان أيام مصيرية خطرة ، لا تتيسر السلامة فيها إلا بلطف الله ، ولذلك جاءت هذه الآية في حق يحيى ( عليه السلام ) كما وردت في شأن المسيح ( عليه السلام ) ، مع الاختلاف بأن الله هو الذي قالها في المورد الأول ، أما في المورد الثاني فإن المسيح قد طلب ذلك . * * *

--> 1 - البر - بالفتح - بمعنى الشخص المحسن ، في حين أن البر - بالكسر - بمعنى صفة الإنسان ، وينبغي الالتفات إلى أن هذه الكلمة في الآية عطف على ( مباركا ) لا على الصلاة والزكاة ، والمعنى في الواقع : جعلني برا بوالدتي . 2 - لزيادة التوضيح حول ( جبار ) ، وجواب هذا السؤال ، وهو أنه كيف تكون إحدى صفات الله سبحانه أنه جبار ؟ يراجع ذيل الآية ( 59 ) من سورة هود من هذا التفسير . 3 - تفسير الفخر الرازي ، آخر الآية .