الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
438
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أكثر ، وربما حمل بعضها على السخرية ، ثم غضبوا فقالوا : مع قيامك بهذا العمل تسخرين من قومك أيضا ؟ قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا . لقد بحث المفسرون هنا وتناقشوا كثيرا في شأن كلمة " كان " الدالة على الماضي ، إلا أن الظاهر هو أن هذه الكلمة تشير هنا إلى ثبوت ولزوم وصف موجود ، وبتعبير أوضح : إن هؤلاء قالوا لمريم : كيف نكلم طفلا كان ولا يزال في المهد ؟ والشاهد على هذا المعنى آيات أخرى من القرآن ، مثل كنتم خير أمة أخرجت للناس سورة آل عمران / 110 ، فمن المسلم أن " كنتم " لا تعني الماضي هنا ، بل هي بيان لثبوت واستمرار هذه الصفات للمجتمع الإسلامي . وكذلك بحثوا حول " المهد " ، فإن عيسى لم يكن قد وضع في المهد ، بل إن ظاهر الآيات هو أن مريم بمجرد أن حضرت بين الناس ، وفي الوقت الذي كان عيسى على يديها ، جرى هذا الحوار بينها وبينهم . إلا أن الالتفات إلى معنى كلمة " المهد " في لغة العرب سيوضح جواب هذا السؤال ، فإن كلمة المهد تعني - كما يقول الراغب في مفرداته - المكان الذي يهيؤونه للطفل ، سواء كان المهد ، أو حجر الأم ، أو الفراش ، والمهد والمهاد ورد كلاهما في اللغة بمعنى : المكان الممهد الموطأ ، أي : للاستراحة والنوم . على كل حال ، فإن الناس قلقوا واضطربوا من سماع كلام مريم هذا ، بل وربما غضبوا وقالوا لبعضهم البعض - حسب بعض الروايات - : إن استهزاءها وسخريتها أشد علينا من انحرافها عن جادة العفة ! إلا أن هذه الحالة لم تدم طويلا ، لأن ذلك الطفل الذي ولد حديثا قد فتح فاه وتكلم : قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت ، ومفيدا من كل الجهات للعباد وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا .