الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
383
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والآن نصل إلى هذا السؤال : ما هو مصدر هذا الانحراف الخطير ؟ إن التعصب القوي والغرور والتكبر وحب الذات ، هي من أهم العوامل التي تقود إلى مثل هذه التصورات الخاطئة . وفي بعض الأحيان يكون التملق ، أو الانطواء على النفس لفترة معينة سببا لظهور هذه الحالة ، حيث يتصور الإنسان أن كل أعماله الخاطئة المنحرفة هي أعمال جميلة ، بحيث يشعر بالفخر والغرور والمباهاة بدلا من إحساس الخجل والشعور بالعار بسبب أعماله القبيحة . يقول القرآن في مكان آخر واصفا هذه الحالة : أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ( 1 ) وفي آيات أخرى ، نقرأ أن الشيطان هو الذي يزين للإنسان سيئاته حسنات ، ويمنيهم بالغلبة والنصر ، كما في قوله تعالى : وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ( 2 ) . ويقول القرآن بعد قصة برج فرعون المعروف : وكذلك زين لفرعون سوء عمله . والآية تعليق على عمل فرعون عندما طلب من هامان أن يبني له برجا ليطلع بزعمه إلى إله موسى كما في الآيتين ( 36 - 37 ) من سورة غافر . 3 2 - ماذا يعني لقاء الله ؟ بالرغم من أن بعض أشباه العلماء يستفيدون من أمثال هذه الآيات إمكانية رؤية الخالق جل وعلا في العالم الآخر ، ويفسرون لقاء الله باللقاء الحسي ، إلا أنه من المعلوم بداهة أن اللقاء الحسي يقتضي تجسيم الخالق جل وعلا ، والتجسيم يقتضي التحديد والحاجة ، والمحدود المحتاج يكون قابلا للفناء ، والكل يعرف ويؤمن بأن هذه الصفات لا تنطبق على الله تعالى . لذا فإن القصد من اللقاء أو الرؤيا في الآيات القرآنية ليس الرؤية الحسية ، بل
--> 1 - فاطر ، 8 . 2 - الأنفال ، 48 .