الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

358

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ووضعه على جانبي هذا السد ، وأشعل النار فيه ثم أمرهم بالنفخ فيه حتى احمر الحديد من شدة النار : قال انفخوا حتى إذا جعله نارا . لقد كان يهدف ذو القرنين من ذلك ربط قطع الحديد بعضها ببعض ليصنع منها سدا من قطعة واحدة ، وعن طريق ذلك ، قام ذو القرنين بنفس عمل " اللحام " الذي يقام به اليوم في ربط أجزاء الحديد بعضها ببعض . أخيرا أصدر لهم الأمر الأخير فقال : أجلبوا لي النحاس المذاب حتى أضعه فوق هذا السد : قال آتوني أفرغ عليه قطرا . وبهذا الشكل قام بتغطية هذا السد الحديدي بطبقة النحاس حتى لا ينفذ فيه الهواء ويحفظ من التآكل . بعض المفسرين قالوا : إن علوم اليوم أثبتت أنه عند إضافة مقدار من النحاس إلى الحديد فإن ذلك سيزيد من مقدار مقاومته ، ولأن " ذا القرنين " كان عالما بهذه الحقيقة فقد أقدم على تنفيذه . إن المشهور في معنى " قطر " هو ما قلناه ( أي النحاس المذاب ) ، إلا أن بعض المفسرين فسر ذلك ب‍ " الخارصين المذاب " وهو خلاف المتعارف عليه . وأخيرا ، أصبح هذا السد بقدر من القوة والإحكام بحيث : فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا . لقد كان عمل ذي القرنين عظيما ومهما ، وكان له وفقا لمنطق المستكبرين ونهجهم أن يتباهى به أو يمن به ، إلا أنه قال بأدب كامل : قال هذا رحمة من ربي لأن أخلاقه كانت أخلاقا إلهية . إنه أراد أن يقول : إذا كنت أملك العلم والمعرفة وأستطيع بواسطتهما أن أخطو خطوات مهمة ، فإن كل ذلك إنما كان من قبل الخالق جل وعلا ، وإذا كنت أملك قابلية الكلام والحديث المؤثر فذلك أيضا من الخالق جل وعلا . وإذا كانت مثل هذه الوسائل والأفكار في اختياري فإن ذلك من بركة الله