الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

328

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الثلاثة العجيبة ، والتي يمكن أن تكون مفتاحا للعديد من المسائل ، وجوابا لكثير من الأسئلة . ففي البداية ذكر قصة السفينة وقال : أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا . وبهذا الترتيب كان ثمة هدف خير وراء ثقب السفينة الذي بدأ في حينه عملا مشينا سيئا ، والهدف هو نجاتهم من قبضة ملك غاصب ، وكان هذا الملك يترك السفينة المعيبة ويصرف النظر عنها . إذا خلاصة المقصود في الحادثة الأولى هو حفظ مصالح مجموعة من المساكين . كلمة " وراء " لا تعني هنا الجانب المكاني ، وإنما هي كناية عن الخطر المحيط بهم ( خطر الملك ) بدون أن يعلموا به ، وبما أن الإنسان لا يحيط بالحوادث التي سوف تصيبه لاحقا ، لذا استخدمت الآية التعبير الآنف الذكر . إضافة إلى ذلك فإن الإنسان عندما يخضع لضغط فرد أو مجموعة فإنه يستخدم تعبير ( وراء ) كقوله مثلا : الديانون ورائي ولا يتركوني ، وفي الآية ( 16 ) من سورة إبراهيم نقرأ قوله تعالى : من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد وكأن جهنم تلاحق وتتبع المذنبين ، لذا فقد استخدمت كلمة وراء ( 1 ) . ويفيد استخدام كلمة ( مسكين ) أن " المسكين " ليس هو الشخص الذي لا يملك شيئا مطلقا ، بل هي وصف يطلق على الأشخاص الذين يملكون أموالا وثروة لكنها لا تفي بحاجاتهم . ويحتمل أيضا أن يكون السبب في إطلاق وصف ( المساكين ) عليهم ليس بسبب الفقر المالي ، بل بسبب افتقارهم للقوة والقدرة ، وهذا التعبير يستخدم في لغة العرب ، كما وأنه يتلاءم مع الجذور الأصلية لمعنى مسكين لغويا ، والذي يعني السكون والضعف .

--> 1 - في معنى ( وراء ) يمكن مراجعة البحث الوارد في ذيل الآية ( 16 ) من سورة إبراهيم في تفسيرنا هذا .