الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
329
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وفي نهج البلاغة نقرأ قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " مسكين ابن آدم . . تؤلمه البقة ، وتقتله الشرقة ، وتنتنه العرقة " ( 1 ) . بعد ذلك ينتقل العالم إلى بيان سر الحادثة الثانية التي قتل فيها الفتى فيقول : وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا . تحتمل مجموعة من المفسرين أن المقصود من الآية ليس ما يتبين من ظاهرها من أن الفتى الكافر والعاصي قد يكون سببا في انحراف أبويه ، وإنما المقصود أنه بسبب من طغيانه وكفره يؤذي أبويه كثيرا ( 2 ) ، ولكن التفسير الأول أقرب للصحة . في كل الأحوال ، فإن الرجل العالم قام بقتل هذا الفتى ، واعتبر سبب ذلك ما سوف يقع للأب والأم المؤمنين في حال بقاء الابن على قيد الحياة . وسوف نجيب في فقرة البحوث على شبهة ( القصاص قبل الجناية ) التي ترد على أعمال الخضر هذه . كلمة ( خشينا ) تستبطن معنى كبيرا ، فهذا التعبير يوضح أن هذا الرجل العالم كان يعتبر نفسه مسؤولا عن مستقبل الناس ، ولم يكن مستعدا لأن تصاب أم أو أب مؤمنان بسوء بسبب انحراف ابنهم . كما إن تعبير ( خشينا ) جاء هنا بمعنى : لم نكن نرغب ، وإلا لا معنى للخوف في هذه الموارد بالنسبة لشخص بهذا المستوى من العلم والوعي والقدرة . وبعبارة أخرى ، فإن الهدف هو الاتقاء من حادث سئ نرغب أن نقي الأبوين منه على أساس المودة لهما . ويحتمل أن يكون التعبير بمعنى ( علمنا ) كما ينقل عن ابن عباس ، يعني أننا
--> 1 - نهج البلاغة ، الكلمات القصار الجملة رقم 419 . 2 - وفق التفسير الأول يكون الفعل " يرهق " متعديا إلى مفعولين : الأول ( هما ) ، والمفعول الثاني ( طغيانا ) ، أما وفق التفسير الثاني فإن ( طغيانا ) و ( كفرا ) يكونان مفعولا لأجله .