الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
300
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بمفهومها اللغوي ، ويقول : إنه يفهم من عبارة كان من الجن أنه كان خفيا عن الأنظار كسائر الملائكة ، وهذا المعنى خلاف الظاهر تماما . ومن الدلائل الواضحة التي تؤكد ما ذهبنا إليه من المعنى ، أن القرآن الكريم يقول في الآية ( 15 ) من سورة الرحمن : وخلق الجان من مارج من نار أي من نيران مختلطة ومن جانب آخر كان منطق إبليس عندما امتنع عن السجود لآدم : خلقتني من نار وخلقته من طين ( 1 ) . هذا بالإضافة إلى أن الآيات الشريفة أعلاه أشارت إلى أن لإبليس ( ذرية ) في حين أن الملائكة لا ذرية لهم . إن ما ذكرناه آنفا ، مضافا إليه التركيبة الجوهرية للملائكة تثبت أن إبليس لم يكن ملكا ، لكن آية السجود لآدم شملته - أيضا - لانضمامه إلى صفوف الملائكة ، وكثرة عبادته لله وطموحه للوصول إلى منزلة الملائكة المقربين . وإنما بين القرآن امتناع إبليس عن السجود بشكل استثنائي ، وأطلق عليه الإمام علي ( عليه السلام ) في الخطبة القاصعة في نهج البلاغة كلمة ( الملك ) كتعبير مجازي . وجاء في كتاب ( عيون الأخبار ) عن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) : " إن الملائكة معصومون ومحفوظون من الكفر بلطف الله تعالى " قالا : قلنا له : فعلى هذا لم يكن إبليس أيضا ملكا ؟ ، فقال : " لا ، بل كان من الجن ، أما تسمعان الله تعالى يقول : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن فأخبر عز وجل أنه من الجن ، . . . " ( 2 ) وفي حديث آخر نقل عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، بأن أحد أصحابه المخلصين وهو جميل بن دراج قال : سألته عن إبليس كان من الملائكة وهل كان يلي من أمر السماء شيئا ؟ قال : " لم يكن من الملائكة ولم يكن يلي من السماء شيئا ، أنه
--> 1 - الأعراف ، 12 . 2 - نور الثقلين ، ج 3 ، ص 267 .