الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
292
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وطبيعي أنه لا يوجد أي تعارض بين هذه الآيات ، لأنه ليس ثمة مانع من أن تدون أعمال الإنسان في عدة كتب ، كما نشاهد نظير ذلك في برامج دنيا اليوم ، إذ من أجل التنظيم الدقيق لتشكيلات دولة ما ، هناك نظام وحساب لكل قسم ، ثم إن هذه الأقسام وفي ظل أقسام أكبر لها حساب جديد . ولكن يجب الانتباه إلى أن صحيفة أعمال الناس في يوم القيامة لا تشبه الدفتر والكتاب العادي في هذا العالم ، فهي مجموعة ناطقة غير قابلة للنكران ، وقد تكون الناتج الطبيعي لأعمال الإنسان نفسه . في كل الأحوال ، نرى أن الآيات التي نبحثها تظهر أنه علاوة على تدوين أعمال الناس في الكتب الخاصة ، فإن نفس الأعمال ستتجسد هناك وستحضر : ووجدوا ما عملوا حاضرا . فالأعمال التي تكون شكل طاقات متناثرة في هذا العالم وتكون محجوبة عن الأنظار وتبدو وكأنها قد تلاشت وانتهت ، هي في الحقيقة لم تنته ( وقد أثبت العلم اليوم أن أي مادي أو طاقة لا يمكن أن تفنى ، بل يتغير شكلها دائما ) . ففي ذلك اليوم تتحول هذه الطاقة الضائعة بإذن الله إلى مادة ، وتتجسد على شكل صور مناسبة ، فالأعمال الحسنة على شكل صور لطيفة وجميلة ، والأعمال السيئة على شكل صور قبيحة ، وهذه الأعمال ستكون معنا ، ولهذا السبب نرى أن آخر جملة في الآيات أعلاه تقول : ولا يظلم ربك أحدا لأن الثواب والعقاب يترتبان على نفس أعمال الإنسان . بعض المفسرين اعتبر جملة ووجدوا ما عملوا حاضرا تأكيدا على قضية صحيفة الأعمال ، وقالوا : إن معنى الجملة هو أننا سنجد جميع أعمالنا مدونة في ذلك الكتاب ( 1 ) . البعض الآخر اعتبر كلمة ( جزاء ) في هذه الآية مقدرة وقالوا : إن المعنى هو
--> 1 - الفخر الرازي في التفسير الكبير ، والقرطبي في التفسير الجامع .