الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
29
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لأنه مهما كان المذهب عالي المستوى ، والمنطق قويا ، فإن ذلك لا تأثير له ما دام لا يتزامن مع أسلوب صحيح للبحث والمجادلة مرفقا بالمحبة بدلا من الخشونة . لذا فإن أول آية من هذه المجموعة تقول : وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . الأحسن من حيث المحتوى والبيان ، والأحسن من حيث التلازم بين الدليل ومكارم الأخلاق والأساليب الإنسانية ، ولكن لماذا يستعمل هذا الأسلوب مع المعارضين ؟ الجواب : إذا ترك الناس القول الأحسن واتبعوا الخشونة في الكلام والمجادلة ف إن الشيطان ينزغ بينهم ويثير بينهم الفتنة والفساد ، فلا تنسوا : إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا . أما من هم ( العباد ) المقصودون في هذه الآية ؟ في صدد الجواب هناك رأيان مختلفان بين المفسرين ، وكل رأي مدعم بالقرائن التي تؤيده ، هذان الرأيان هما : أولا : المقصود من ( عبادي ) هم عبيده المشركون ، إذ بالرغم من أنهم سلكوا طريقا خاطئا ، إلا أن الله تبارك وتعالى يناديهم ( عبادي ) وذلك من أجل إثارة عواطفهم الإنسانية ، ويدعوهم إلى ( القول الأحسن ) ويعني هنا كلمة التوحيد وترك الشرك ومراقبة أنفسهم من وسواس الشيطان ، وهكذا يكون الهدف من هذه الآيات - بعد ذكر أدلة التوحيد والمعاد - هو النفوذ إلى قلوب المشركين حتى يستيقظ ذوي الاستعداد منهم . الآيات التي تلي هذه الآية - كما سيأتي - تناسب هذا المعنى ، وكون هذه السورة مكية يرجح هذا الرأي ، إذ لم يكن الجهاد قد فرض بعد وكانت الدعوة بالمنطق والأسلوب الحسن فقط هي المأمور بها . ثانيا : كلمة ( عبادي ) خطاب للمؤمنين ، حيث تعلمهم الآية أسلوب النقاش مع الأعداء ، فقد يحدث في بعض الأحيان أن يتعامل المؤمنون الجدد بخشونة مع