الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
30
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
معارضي عقيدتهم ويقولون لهم بأنهم من أهل النار والعذاب ، وأنهم ضالون ، ويعتبرون أنفسهم من الناجين ، قد يكون هذا الموقف سببا في أن يقف المعارضون موقفا سلبيا إزاء دعوة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . إضافة لذلك ، فإن الاتهامات التي يطلقها المشركون ضد شخص رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويتهمونه فيها بالسحر والجنون والكهانة والشعر ، قد تكون سببا في أن يفقد المؤمنون السيطرة على أنفسهم ويبدأوا بالتشاجر مع المشركين ويستخدموا الألفاظ الخشنة ضدهم . . . القرآن يمنع المؤمنين من هذا العمل ويدعوهم إلى التزام اللين والتلطف بالكلام واختيار أفضل الكلمات في أسلوب التخاطب ، حتى يأمنوا من إفساد الشيطان . كلمة ( بينهم ) وفقا لهذا الرأي توضح أن الشيطان يحاول زرع الفساد بين المؤمنين ومن يخالفهم ، أو أنه يحاول النفوذ إلى قلوب المؤمنين لإفسادها " ينزغ " مشتقة من " نزغ " وتعني الدخول إلى عمل بنية الافساد . بملاحظة مجموع هذه القرائن يتبين لنا أن التفسير الثاني ينطبق مع ظاهر الآية الكريمة أكثر من التفسير الأول ، لأن كلمة ( عبادي ) في القرآن تستخدم عادة لمخاطبة المؤمنين ، إضافة إلى أن سبب نزول الآية يؤيد هذا المعنى ويدعم هذا التفسير ، إذ ينقل بعض المفسرين أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مكة ويضيقون عليهم ، وفي أثناء ذلك كان بعضهم يأتي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يستأذنه ويلح عليه في مواجهة المشركين بالمثل ( على الأقل الرد عليهم بألفاظ شديدة تناسب ألفاظ المشركين ) والبعض يطلب الإذن بالجهاد ، ولكن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يبين لهم بأنه لم يؤذن له بعد القيام بهذه الأعمال . وفي هذه الأثناء نزلت الآيات أعلاه تؤكد بأن التكليف ما زال يتمثل في استمرار الدعوة بالكلام ، والمجادلة باللطف وبالتي هي أحسن ( 1 ) .
--> 1 - إلى هذا الرأي يذهب الشيخ الطبرسي في مجمع البيان ، والقرطبي في تفسيره . يراجع تفسيرهما للآية الكريمة .