الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
409
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والانتقام الإلهي من بني إسرائيل كان قد وقع في الماضي . وإذا أردنا أن نتجاوز كل ذلك ، فينبغي أن نلتفت إلى أن قوله تعالى : بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد تفيد في أن الرجال الذين سيؤدبون " بني إسرائيل " على فسادهم وعلوهم وطغيانهم ، هم رجال مؤمنون ، شجعان حتى استحقوا لقب العبودية . ومما يؤكد هذا المعنى الذي غفلت عنه معظم التفاسير ، هو كلمة " وبعثنا " و " لنا " . ولكنا مع ذلك ، لا نستطيع الادعاء أن كلمة " بعث " تستخدم فقط في مورد خطاب الأنبياء والمؤمنين ، بل هي تستخدم في غير هذه الموارد أيضا ، ففي قصة هابيل وقابيل يقول القرآن الكريم : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ( 1 ) . وكذلك الحال في كلمة " عباد " أو " عبد " فهي تطلق في بعض الأحيان على الأفراد غير الصالحين من المذنبين وغيرهم ، كما في الآية ( 58 ) من الفرقان في قوله تعالى : وكفى به بذنوب عباده خبيرا والآية ( 27 ) من سورة الشورى ، حيث يقول تعالى : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض وفي خصوص المخطئين والمنحرفين نقرأ في الآية ( 118 ) من سورة المائدة قوله تعالى : إن تعذبهم فإنهم عبادك . ولكنا مع ذلك لا نستطيع أن ننكر - وإن لم تقم قرينة خلاف ذلك - أن العباد الذين بعثهم الله للانتقام من بني إسرائيل هم من العباد المؤمنين الصالحين . وخلاصة البحث : إن هذه الآيات تتحدث عن فسادين كبيرين لبني إسرائيل ، وكيف أن الله تبارك وتعالى لم يهمل هؤلاء ، بل أذاقهم جزاءهم في الدنيا ، وبقي عليهم جزاء الآخرة وحسابها ، والدرس الذي نستفيده والإنسانية جمعاء هو أن الله تعالى لا يهمل الظالمين ولا يسكت على ظلمهم بل علينا أن نعتبر ونتعظ من
--> 1 - المائدة ، 31 .