الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

371

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

4 - انصب الحديث في الأصول الثلاثة حول البحث المنطقي والأسلوب العاطفي والمناقشة المعقولة مع المخالفين ، وإذا حصلت المواجهة معهم ولم يتقبلوا الحق وراحوا يعتدون ، فهنا يأتي الأصل الرابع : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به . 5 - ولئن صبرتم لهو خير للصابرين : وتقول الروايات : إن الآية نزلت في معركة ( أحد ) عندما شاهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شهادة عمه حمزة بن عبد المطلب المؤلمة ( حيث لم يكتف العدو بقتله بل شق صدره بوحشية وقساوة فظيعة وأخرج كبده أو قلبه وقطع أذنه وأنفه ) وتأذى النبي لذلك كثيرا وقال : " اللهم لك الحمد وإليك وأنت المستعان على ما أرى " ثم قال : " لئن ظفرت لأمثلن ولأمثلن ولأمثلن " وعلى رواية أخرى أنه قال : " لأمثلن بسبعين منهم " فنزلت الآية : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أصبر أصبر " ( 1 ) . ربما كانت تلك اللحظة من أشد لحظات حياة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولكنه تمالك زمام أمور نفسه واختار الطريق الثاني ، طريق العفو والصبر . ويحكي لنا التأريخ ما قام به الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حين فتح مكة ، فما أن وطأت أقدام المسلمين المنتصرة أرض مكة حتى أصدر نبي الرحمة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) العفو العام عن أولئك الجفاة ، فوفى بوعده الذي قطعه على نفسه في معركة أحد ( 2 ) . وحري بالإنسان إذا أراد أن ينظر إلى أعلى نموذج حي في العواطف الإنسانية ، أن يضع قصتي أحد وفتح مكة نصب عينيه ليقارن ويربط بينهما . ولعل التأريخ لا يشهد لأية أمة منتصرة عوملت بمثل ما عامل به النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )

--> 1 - تفسير العياشي ، وتفسير الدر المنثور في تفسير الآية ( على ما ذكره تفسير الميزان ) . 2 - يلاحظ في بعض الروايات إن القول بالمثلة بأكثر من واحد عند الظفر كان من بعض المسلمين ( راجع تفسير التبيان ، ج 6 ، ص 440 ) .