الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

370

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إن تقييد " الموعظة " بقيد " الحسنة " لعله إشارة إلى أن النصيحة والموعظة إنما تؤدي فعلها على الطرف المقابل إذا خليت من أية خشونة أو استعلاء وتحقير التي تثير فيه حس العناد واللجاجة وما شابه ذلك . فكم من موعظة أعطت عكس ما كان يؤمل بها بسبب أسلوب طرحها الذي يشعر الطرف المقابل بالحقارة والإهانة كأن تكون الموعظة امام الآخرين ومقرونة بالتحقير ، أو يستشم منها رائحة الاستعلاء في الواعظ ، فتأخذ الطرف المقابل العزة بالإثم ولا يتجاوب مع تلك الموعظة . وهكذا يترتب الأثر الإيجابي العميق للموعظة إذا كانت " حسنة " . 3 - وجادلهم بالتي هي أحسن . الخطوة الثالثة تختص بتخلية أذهان الطرف المخالف من الشبهات العالقة فيه والأفكار المغلوطة ليكون مستعدا لتلقي الحق عند المناظرة . وبديهي أن تكون المجادلة والمناظرة ذات جدوى إذا كانت بالتي هي أحسن ، أي أن يحكمها الحق والعدل والصحة والأمانة والصدق ، وتكون خالية من أية إهانة أو تحقير أو تكبر أو مغالطة ، وبعبارة شاملة : أن تحافظ على كل الأبعاد الإنسانية السليمة عند المناظرة . وفي ذيل الآية الأولى ، يقول القرآن : إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . فالآية تشير إلى أن وظيفتكم هي الدعوة إلى طريق الحق بالطرق الثلاثة المتقدمة ، أما مسألة من الذي سيهتدي ومن سيبقى على ضلاله ، فعلم ذلك عند الله وحده سبحانه . وثمة احتمال آخر في مقصود هذه الجملة وهو بيان دليل للتوجيهات الثلاث المتقدمة ، أي : إنما أمر سبحانه بهذه الأوامر الثلاثة لأنه يعلم الكيفية التي تؤثر بالضالين لأجل توجيههم وهدايتهم .