الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

332

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يقولون إنما يعلمه بشر . اختلف المفسرون في ذكر اسم الشخص الذي ادعى المشركون أنه كان يعلم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . . فعن ابن عباس : أنه رجل يدعى ( بلعام ) كان يصنع السيوف في مكة : وهو من أصل رومي وكان نصرانيا . واعتبره بعضهم : غلاما روميا لدى بني حضرم واسمه ( يعيش ) أو ( عائش ) وقد أسلم وأصبح من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وقال آخرون : إن معلمه غلامين نصرانيين أحدهما اسمه ( يسار ) والآخر ( جبر ) وكان لهما كتاب بلغتهما يقرءانه بين مدة وأخرى بصوت عال . واحتمل بعضهم : أنه ( سلمان الفارسي ) ، في حين أن سلمان الفارسي التحق بالنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في المدينة وأسلم على يديه هناك ، وأن هذه التهم التي أطلقها المشركون كانت في مكة ، أضف إلى ذلك كون القسم الأعظم من سورة النحل مكي وليس مدنيا . وعلى أية حال ، فالقرآن أجابهم بقوة وأبطل كل ما كانوا يفترون ، بقوله : لسان الذي يلحدون ( 1 ) إليه أعجمي ( 2 ) وهذا لسان عربي مبين . فإن كان مقصودهم في تهمتهم وافترائهم أن معلم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لألفاظ القرآن هو شخص أجنبي لا يفقه من العربية وبلاغتها شيئا فهذا في منتهى السفة ، إذ كيف يمكن لفاقد ملكة البيان العربي أن يعلم هذه البلاغة والفصاحة التي عجز أمامها أصحاب اللغة أنفسهم ، حتى أن القرآن تحداهم بإتيان سورة من مثله فما

--> 1 - يلحدون : من الإلحاد بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل ، وقد يطلق على أي انحراف ، والمراد هنا : إن الكاذبين يريدون نسبة القرآن إلى إنسان ويدعون بأنه معلم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ! 2 - الإعجام والعجمة لغة : بمعنى الإبهام ، ويطلق الأعجمي على الذي في بيانه لحن ( نقص ) سواء كان من العرب أو من غيرهم ، وباعتبار أن العرب ما كانوا يفهمون لغة غيرهم فقد استعملوا اسم ( العجم ) على غير العرب .