الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

333

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

استطاعوا ، ناهيك عن عدد الآيات ؟ ! وإن كانوا يقصدون أن المحتوى القرآني هو من معلم أجنبي . . فرد ذلك أهون من الأول وأيسر ، إذ أن المحتوى القرآني قد صب في قالب كل عباراته وألفاظه من القوة بحيث خضع لبلاغته وإعجازه جميع فطاحل فصحاء العرب ، وهذا ما يرشدنا لكون الواضع يملك من القدرة على البيان ما تعلو وقدرة وملكة أي إنسان ، وليس لذلك أهلا سوى الله عز وجل وسبحانه عما يشركون . وبنظرة تأملية فاحصة نجد في محتوى القرآن أنه يمتلك المنطق الفلسفي العميق في إثبات عقائده ، وكذا الحال بالنسبة لتعاليمه الأخلاقية في تربية روح الإنسان وقوانينه الاجتماعية المتكاملة ، وأن كل ما في القرآن هو فرق طاقة المستوى الفكري البشري حقا . . ويبدو لنا أن مطلقي الافتراءات المذكورة هم أنفسهم لا يعتقدون بما يقولون ، ولكنها شيطنة ووسوسة يدخلونها في نفوس البسطاء من الناس ليس إلا . والحقيقة أن المشركين لم يجدوا من بينهم من ينسبون إليه القرآن ، ولهذا حاولوا اختلاق شخص مجهول لا يعرف الناس عنه شيئا ونسبوا إليه القرآن ، عسى بفعلهم هذا أن يتمكنوا من استغفال أكبر قدر ممكن من البسطاء . أضف إلى ذلك كله أن تاريخ حياة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يسجل له اتصالات دائمة مع هذه النوعيات من البشر ، وإن كان ( على سبيل الفرض ) صاحب القرآن موجودا ألا يستلزم ذلك اتصال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) به وباستمرار ؟ إنهم حاولوا التشبث لا أكثر ، وكما قيل : ( الغريق يتشبث بكل حشيش ) . إن نزول القرآن في البيئة الجاهلية وتفوقه الإعجازي أمر واضح ، ولم يتوقف تفوقه حتى في عصرنا الحاضر حيث التقدم الذي حصل في مختلف مجالات التمدن الإنساني ، والتأليفات المتعمقة التي عكست مدى قوة الفكر البشري المعاصر .