الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

196

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

حتى في الجانب الدنيوي - منتصرون ( 1 ) . فلماذا بعد ذلك يتحمل الإنسان ضربات الأعداء المتوالية ويموت منها ذليلا ؟ ! لماذا لا يهاجر وبكل شجاعة ليجاهد عدوه من موضع جديد فيأخذ منه حقه ؟ ! وقد عرض هذا الموضوع بوضوح أكثر في الآية ( 100 ) من سورة النساء ، حيث تقول : ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة . 5 - إن سبب انتخاب صفتين للمهاجرين " الصبر " و " التوكل " واضح ، لما يواجه من ظروف صعبة ومتعبة ، تحتاج الثبات والصبر على مرارة تلك الظروف في الدرجة الأولى ، ثم الاعتماد الكامل على الله سبحانه وتعالى . وأساسا فإن الإنسان لو افتقد في الحوادث العصبية والشدائد القاسية المعتمد المطمئن والسند المعنوي المحكم ، فإن الصبر والاستقامة والثبات تكون مستحيلة . وقال البعض : إن انتخاب " الصبر " هنا ، لأن ابتداء السير في طريق الهجرة إلى الله يحتاج إلى المقاومة والثبات أمام رغبات النفس ، أما انتخاب " التوكل " فلأجل أن نهاية السير هي الانقطاع عن كل شئ غير الله عز وجل وارتباط به . وعلى هذا ، تكون الصفة الأولى لأول الطريق والثانية لآخره ( 2 ) . وعلى أية حال . . فلا سبيل إلى الهجرة الخارجية دون الهجرة الباطنية ، فعلى الإنسان أن يقطع علائقه المادية الباطنية أولا بهجرته نحو الفضائل الأخلاقية ، ليستطيع أن يهاجر ويترك دار الكفر - مع كل ما له فيها - منتقلا إلى دار الإيمان . * * *

--> 1 - " لنبوئنهم " : في الأصل من ( بوأ ) بمعنى تساوي أجزاء مكان ما . . على عكس " نبوء " على وزن ( مبدأ ) بمعنى عدم تساوي أجزاء المكان . وعلى هذا ف‍ " بوأت له مكانا " أي ساويت له مكانا ، ثم بمعنى هيأته له . 2 - التفسير الكبير للفخر الرازي ، في تفسير الآية مورد البحث .