الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
195
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهم كثيرا وكذا المسلمون من بعد ، وذلك لأنهم جعلوا حياتهم المادية وما يملكون في خدمة الدعوة الإسلامية المباركة ، مما حدا بالبعض أن يعرض حياته للمخاطر ، والبعض الآخر ترك كل أمواله ( كصهيب ) معتبرا نفسه رابحا في هذه الصفقة المباركة . ولو لم تكن تلك التضحيات لأولئك المهاجرين لما سمح المحيط الفاسد في مكة وتحكم الشياطين عليها بأن يخرج صوت الإسلام ليعم أسماع الجميع ، ولكتم الصوت وقبر في صدور المؤمنين إلى الأبد ، ولكن المهاجرين بتحولهم المدروس الواعي وهجرتهم المباركة لم يفتحوا مكة فحسب ، وإنما أوصلوا صوت الإسلام إلى أسماع العالم ، فأصبحت الهجرة سنة إسلامية تجري على مر التأريخ إذا ما واجهت ما يشبه ظروف مكة قبل الهجرة . 2 - التعبير ب هاجروا في الله من دون ذكر كلمة " سبيل " إشارة إلى ذروة الإخلاص الذي كان يحملونه أولئك المهاجرون الأول ، فهم هاجروا لله وفي سبيله وطلبا لرضاه وحماية لدينه ودفاعا عنه ، وليس لنجاتهم من القتل أو طلبا لمكاسب مادية أخرى . 3 - وتظهر لنا جملة من بعدما ظلموا عدم ترك الميدان فورا ، بل لابد من الصبر والتحمل قدر الإمكان . أما عندما يصبح تحمل العذاب من العدو باعثا على زيادة جرأته وجسارته ، وإضعاف المؤمنين . . فهنا تجب الهجرة لأجل كسب القدرة اللازمة وتهيئة خنادق المواجهة المحكمة ، ويستمر بالجهاد على كافة الأصعدة من موقع أفضل ، حتى تنتهي الحال إلى نصر أهل الحق في الساحات العسكرية والعلمية والتبليغية . . . 4 - أما قوله تعالى : لنبوئنهم في الدنيا حسنة " نبوئنهم " من ( بوأت له مكانا ) أي هيأته له ووضعته فيه - فيشير إلى أن المهاجرين في الله وإن كانوا ابتداء يفتقدون إلى الإمكانيات المادية المستلزمة للمواجهة ، إلا أنهم في النهاية -