مؤسسة آل البيت ( ع )
275
مجلة تراثنا
فلم يبايع حتى أخرجوه كرها ( 1 ) ، احتفاظا بحقه ، واحتجاجا على المستأثرين به وعلى أوليائهم . ولو أسرع إلى البيعة ما قامت له حجة ، ولا سطع لأوليائه برهان ، لكنه جمع في ما فعل بين حفظ الدين ، والاحتفاظ بحقه في إمرة المؤمنين ، فدل هذا على أصالة رأيه ، ورجاحة حلمه ، وسعة صدره ، وإيثار المصلحة العامة بحكمة بالغة . ومتى سخت نفس امرئ عن هذا الخطب الجليل والأمر العظيم ، ينزل من الله تعالى بغاية منازل الدين ، وإنما كانت غايته مما فعل أربح الحالين له ، وأعود المقصودين عليه بالثواب والقرب من رب الأرباب . وإني والله لأعجب من هذه الأمة لا تقدر هذه التضحية ، ولا تكبر هذا السخاء في سبيل الله ! على إن صممهم عن نصوص الإمامة ، وعهود الوصية ، وقد شحنت صحاحهم ، وملأت مسانيدهم لأعجب وأغرب ! ! وما أبعدهم عن الصواب إذ يقولون : ما عهد النبي إلى أحد ، وما أوصى بشئ ! أفلا يتدبرون سننهم ؟ ! فإنها تثبت ما جحدوا ، كما تفصله ( مراجعتنا ) ( 2 ) . ومن وقف على مذهبهم في الإمامة ، ثم تتبع حديثهم ، رأى التناقض بينهما بأجلى مظاهره ، ضرورة أن مذهبهم في هذه المسألة يعارض حديثهم في خصائص علي وأهل البيت ، وحديثهم في الخصائص يناقض مذهبهم في هذه المسألة ، فهما لا يتجاريان في حلبة ، ولا يتسايران إلى غاية ، وهذه
--> ( 1 ) انظر : الإمامة والسياسة 1 / 28 - 33 ، تاريخ الطبري 2 / 233 ، الكامل في التاريخ 2 / 189 . ( 2 ) المراجعات : 203 .