الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

64

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الظلم عقابه ومجازاته ، أو يقولوا إنه لم يستطع أن لا يرتكب هذا العمل لأن الله أراد ذلك ، أو أن المحيط أجبره ، أو الطبيعة . . . وهذا بنفسه دليل آخر على أن أصل الاختيار فطري . وعلى كل حال لا نجد للجبر مسلكا في أعمالنا اليومية يرتبط بهذه العقيدة ، بل أعمال الناس جميعا تصدر عنهم بصورة حرة ومختارة وهم مسؤولون عنها . وجميع الأقوام في الدنيا يقبلون حرية الإرادة ، بدليل تشكيل المحاكم والإدارات القضائية لمحاكمة المتخلفين . وجميع المؤسسات التربوية في العالم تقبل بهذا الأصل ضمنا ، وهو أن الإنسان يعمل بإرادته ورغبته ، ويمكن بإرشاده وتعليمه وتربيته أن يتجنب الأخطاء والاشتباهات والأفكار المنحرفة . 3 2 - واقع الانسان بين السعادة والشقاوة الطريف أن لفظ " شقوا " في الآيات المتقدمة ورد بصيغة المبني للمعلوم ، ولفظ " سعدوا " ( 1 ) ورد بصيغة المبني للمجهول ، ولعل في هذا الاختلاف في التعبير إشارة لطيفة إلى هذه المسألة الدقيقة ، وهي أن الإنسان يطوي طريق الشقاء بخطاه ، ولكن لابد لطي طريق السعادة في الإمداد والعون الإلهي ، وإلا فإنه لا يوفق في مسيره ، ولا شك أن هذا الإمداد والعون يشمل أولئك الذين يخطون خطواتهم الأولى بإرادتهم واختيارهم فحسب وكانت فيهم اللياقة والجدارة لهذا الإمداد . ( فلاحظوا بدقة ) .

--> 1 - " سعدوا " من مادة ( سعد ) وحسب رأي أصحاب اللغة فإن هذا الفعل لازم ولا يتعدى إلى مفعول ، فعلى هذا ليست له صيغة للمجهول ، فاضطروا أن يقولوا : إنه مخفف من ( أسعدوا ) وبابه ( الإفعال ) ولكن كما ينقل الآلوسي في كتاب روح المعاني في شرح الآية عن بعض أهل اللغة ، أن الفعل الثلاثي من " سعد " يتعدى إلى المفعول أيضا - قالوا : سعده الله وهو مسعود ، فعلى هذا لا حاجة إلى أن نقول بأن ( سعدوا ) مخفف من " أسعدوا " " فتدبر " .