الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
56
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وكلمة " قائم " تشير إلى المدن والعمارات التي لا تزال باقية من الأقوام السابقين ، كأرض مصر التي كانت مكان الفراعنة ولا تزال آثار أولئك الظالمين باقية بعد الغرق ، فالحدائق والبساتين وكثير من العمارات المذهلة قائمة بعدهم . وكلمة " حصيد " معناها اللغوي قطع النباتات بالمنجل ، وفي هذه الكلمة إشارة إلى بعض الأراضي البائرة ، كأرض قوم نوح وأرض قوم لوط ، حيث أن واحدة منهما دمرها الغرق والثانية أمطرت بالحجارة . وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم حيث ركنوا ولجأوا إلى الأصنام والآلهة " المزعومة " فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله لما جاء أمر ربك بل زادوهم ضررا وخسرانا وما زادوهم غير تتبيب ( 1 ) . وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى وهي ظالمة فلا يدعها على حالها وإن أخذه أليم شديد . هذا قانون إلهي عام ومنهج دائم ، فما من قوم أو أمة من الناس يتجاوزون حدود الله ويمدون أيديهم للظلم ولا يكترثون لنصائح أنبيائهم ومواعظهم ، إلا أخذهم الله أخذا شديدا واعتصرتهم قبضة العذاب . هذه الحقيقة تؤكد أن المنهاج السابق منهاج عمومي وسنة دائمة ، وتستفاد من آيات القرآن بصورة جيدة ، وهي في الواقع إنذار لأهل العالم جميعا : أن لا تظنوا أنكم مستثنون من هذا القانون ، أو أن هذا الحكم مخصوص بالأقوام السابقين . والطبع فإن الظلم بمعناه الواسع يشمل جميع الذنوب ، ووصفت القرية أو المدينة بأنها " ظالمة " مع أن الوصف ينبغي أن يكون لساكنيها ، فكأنما هناك مسألة دقيقة وهي أن أهل هذه المدينة انغمسوا في الظلم إلى درجة حتى كأن المدينة لها أصبحت مغموسة في الظلم أيضا .
--> 1 - " التتبيب " مشتق من مادة " تب " ومعناه الاستمرار في الضرر ، وقد يأتي بمعنى الهلاك أيضا .