الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
470
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
كفرنا بما أرسلتم به . لماذا ؟ بسبب وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب . ومعه كيف يمكننا أن نؤمن بما تدعونا إليه ؟ ويرد هنا سؤال ، وهو أنهم أظهروا الكفر وعدم الإيمان بالرسول في البداية ، ولكن بعد ذلك أظهروا الشك والريب ، فكيف ينطبق الاثنان ؟ الجواب : إن بيان الشك والترديد - في الحقيقة - علة لعدم الإيمان ، لأن الإيمان بحاجة إلى اليقين ، والشك مانع لذلك . وبما أن الآية السابقة بينت قول المشركين والكفار في عدم إيمانهم بسبب شكهم وترديدهم ، فالآية بعدها تنفي هذا الشك من خلال دليل واضح وعبارة قصيرة حيث يقول تعالى : قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض . مع أن " فاطر " من " فطر " وهي في الأصل بمعنى " شق " إلا أنه هنا كناية عن " الخلق " فالخالق هو الموجد للأشياء على أساس نظام دقيق ثم يحفظها ويحميها ، كأن ظلمة العدم شقت بنور الوجود ، وكما يطلع الفجر من عتمة الليل ، وكما يتشقق التمر من غلافه . ولعل " فاطر " تشير إلى تشقق المادة الأولية للعالم . كما نقرأ في العلوم الحديثة إن مجموع مادة العالم كانت واحدة مترابطة ثم انشقت إلى كراة مختلفة . وعلى أية حال ، فالقرآن الكريم هنا - كما في أغلب الموارد الأخرى - يستند لإثبات وجود الخالق وصفاته إلى نظام الوجود وخلق السماوات والأرض ، ونحن نعلم أنه ليس هناك أوضح من هذا الدليل لمعرفة الله ، لأن هذا النظام العجيب ملئ بالأسرار في كل زواياه ، وينادي بلسان حاله : ليس هناك من له القدرة على هذه الهندسة إلا القادر الحكيم والعالم المطلق ، ولهذا السبب فكلما تقدمت العلوم ظهرت أسرار تدل على الخالق أكثر من السابق وتقربنا من الله في كل لحظة .